العقد البريطاني الضائع: بحث عن سردية جديدة بعد البريكست

السياق السياسي بعد البريكست
في ظل توجه الدول نحو التخطيط بعيد المدى، تبدو بريطانيا كأنها الدولة الغربية الوحيدة التي غيرت مسارها أساساً عبر حكاية إعلامية أكثر منها عبر رؤية سياسية واضحة. ففي الفترة التي تلت قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي، تحول ذلك القرار من لحظة سياسية صاخبة إلى مرآة تُظهر هشاشة السرديات الكبيرة عندما تُبنى على العاطفة لا على الحسابات.
لم تقتصر بريطانيا على مغادرة الاتحاد فقط، بل فقدت أيضاً القصة التي كانت تمنحها مكانة واضحة ودوراً مفهوماً وثقة راسخة في مستقبلها. وبينما ابتعدت عنها أوروبا ولم_find مكاناً ثابتاً في العالم الآخر، تعيش المملكة المتحدة اليوم ما يمكن وصفه بالعقد البريطاني الضائع.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية
تشير تقديرات مؤسسات اقتصادية بريطانية مستقلة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي أصبح أصغر بما يتراوح بين 4% و8% مقارنة بما كان يمكن أن يكون عليه لو بقيت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي. كما انخفضت الصادرات إلى أوروبا بنحو 12%، وتراجع الاستثمار الأجنبي نتيجة حالة عدم اليقين المستمرة، فيما فقد الجنيه الإسترليني نحو 10% من قيمته منذ الاستفتاء.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تعبير عن تكلفة استراتيجية أثرت على قدرة بريطانيا في الحفاظ على نفوذها العالمي، فالصفقات التجارية الكبرى بقيت محدودة، ولم تنجح الحكومات المتعاقبة في تقديم نموذج اقتصادي بديل يعوض السوق الأوروبية الموحدة، رغم الوعود التي روج لها إعلامياً.
أعاد البريكست رسم الخريطة الاجتماعية داخل المملكة المتحدة. فالمدن الكبرى بقيت أكثر انفتاحاً، بينما تمسكت المناطق الريفية بخطاب قومي محافظ. وتغيرت مصادر الهجرة بدل أن تنخفض، ما زاد من حدة الجدل حول الهوية والانتماء. هذا الانقسام الاجتماعي لم يعد مجرد حالة ظرفية، بل أصبح عاملاً سياسياً مؤثراً في كل انتخابات وكل قرار حكومي، ويمثل أحد أبرز التحديات أمام أي محاولة لإعادة بناء توافق وطني.
البحث عن سردية وطنية جديدة
فقد الإعلام التقليدي جزءا كبيرا من تأثيره، وصعدت منصات بديلة بخطاب أكثر حدة واستقطابا. هذا التحول جعل إدارة الرأي العام أكثر تعقيدا، وأضعف قدرة الدولة على إنتاج سردية جامعة حول مستقبل البلاد، في وقت تحتاج فيه بريطانيا إلى خطاب موحد يعيد تعريف دورها العالمي.
من واقع تجربة شخصية تمتد لأكثر من ثلاثة أعوام من الدراسة والعيش في بريطانيا بين 2009 و2012، وزيارات متكررة قبل وبعد ذلك التاريخ، تبدو التحولات اليوم أكثر وضوحا. فعندما زرت البلاد العام الماضي لحضور مؤتمر، لاحظت أن المباني بقيت كما هي، لكن الوهج البريطاني لم يعد كما كان. هناك شعور عام بأن البلاد تبحث عن ذاتها، عن سردية جديدة تعيد إليها ثقتها بنفسها.
بعد عقد كامل، تقف بريطانيا أمام حقيقة واضحة: لم تعد إلى أوروبا، ولم تجد موقعا مستقرا خارجها، ولم تحقق وعود البريكست، لكنها أيضا لم تنهر، إنها تعيش مرحلة انتقالية ممتدة تبحث خلالها عن سردية وطنية جديدة تعيد بناء ثقتها بدورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. القصة لم تعد قصة خروج من الاتحاد الأوروبي، بل قصة دولة فقدت سرديتها الكبرى، وتبحث اليوم عن بوصلة جديدة في عالم سريع التحول.





