الرئيسية›عربي و عالمي›تونس: جدل حول قدرة اتحاد الشغل...
عربي و عالمي

تونس: جدل حول قدرة اتحاد الشغل على الحشد قبل مسيرة 17 أكتوبر

09/10/2026 08:56

دعوة إلى مسيرة وطنية في ظل أزمات متعددة

في الثلاثين من سبتمبر الماضي، أعلنت تسع منظمات تونسية، يتقدمها الاتحاد العام للشغل، عن تنظيم مسيرة شعبية وطنية في العاصمة بتاريخ 17 أكتوبر الجاري، تحت شعار “تونس أولا.. والشعب فوق كل اعتبار”. وأوضحت المنظمات الموقعة على البيان أن قرارها جاء في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية واجتماعية، وتحديات مرتبطة بالحقوق والحريات، إلى جانب تدهور القدرة الشرائية وتفاقم البطالة والهشاشة وتراجع الخدمات. وحذرت هذه الجهات من استمرار ما وصفته بنهج التفرد بالقرار وتجاهل المطالب المشروعة، معربة عن رفضها لكل ما من شأنه دفع البلاد نحو المجهول وتهديد استقرارها ومستقبلها.

تباين في تقييم جدوى التحرك النقابي

تباينت الآراء حول جدوى المسيرة الوطنية المزمعة، بين من يعتبرها اختباراً لقدرة المنظمة النقابية على الحشد تمهيداً لإضراب عام، ومن يشكك في قدرتها على دفع السلطة نحو الحوار. وفي هذا السياق، رأى نقابي تونسي أن نجاح المسيرة سيسهم في تحديد إمكانية تنفيذ الإضراب، في ظل صعوبات داخلية تواجه المنظمة. في المقابل، قال سياسي قريب من السلطة إنها تتواصل مباشرة مع المواطنين دون حاجة إلى وسطاء، مع استمرار الحوار مع بعض الأحزاب والمنظمات. يأتي هذا التحرك وسط أزمة اقتصادية حادة، حيث ارتفع معدل التضخم في تونس إلى 5.6% خلال سبتمبر 2026، مقابل 5.4% في أغسطس، مدفوعاً بتسارع ارتفاع أسعار الغذاء والملابس، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء الصادرة في الخامس من أكتوبر الجاري.

اتحاد الشغل يسعى لفتح قناة اتصال مع السلطة

أكد المتحدث باسم المعارضة النقابية الديمقراطية (المعارضة للقيادة الحالية للاتحاد)، الطيب بوعائشة، أن الهدف من تحركات النقابة الحالية هو “فتح قناة اتصال مع السلطة”. وأضاف بوعائشة، في حديث مع وكالة الأناضول، أنه رغم عمومية البيان الأخير للاتحاد وتناوله الأوضاع الاجتماعية والحريات، إلا أن “مسار إعلان الإضراب العام يرتبط عادة بمطلب الحوار، وغايتهم (اتحاد الشغل) فتح الحوار مع السلطة”. ويرى بوعائشة أن اللجوء إلى الشارع يمثل اختباراً للقوة، يتوقف على الإمكانيات الذاتية والقدرة على خوض الصراع، وتكون المسيرة إحدى محطاته. لكنه اعتبر أن الاتحاد، بوضعه الحالي، لا يمتلك “إمكانيات نضالية كبيرة بسبب المشكلات التي يعيشها”، وأن التنسيق مع أطراف أخرى يمثل محاولة لتعويض “حالة الوهن” التي يواجهها. وأشار إلى أن الإضراب العام كان مقرراً منذ المجلس الوطني للاتحاد المنعقد في سبتمبر 2024، وأن موعداً لتنفيذه حُدد في يناير 2026 قبل التراجع عنه.

اختبار القدرة على خوض معارك كبرى

شكك بوعائشة في قدرة الاتحاد على خوض معارك كبيرة، قائلاً: “الاتحاد إذا لم يكن قادراً على حل المشاكل المرتبطة بفتح مفاوضات مع السلطة، فهو ليس بقادر على خوض معارك كبيرة من نوع إسقاط النظام أو إسقاط السلطة”. وتابع: “الاتحاد ليس وحدة متجانسة بل فيه تجاذبات، وكل يريد توظيف الفعل النقابي لغايات محددة، وأنصار النظام موجودون في داخل الاتحاد حتى في الهياكل العليا”. وبحسب بوعائشة، يتطلب تنفيذ الإضراب ضمان حد أدنى من النجاح عبر الإعداد والتهيئة وتحركات تسبقه، كما كان يحدث سابقاً من تحركات جهوية وقطاعية ومسيرات وتجمعات حاشدة. واعتبر أن أحد أهداف المسيرة هو التحضير للإضراب العام، وأن مدى نجاحها سيحدد القدرة على تنفيذه من عدمها.

إصلاح داخلي قبل خوض المعارك الخارجية

وحول الأزمة المالية التي يمر بها الاتحاد، قال بوعائشة إن الاتحاد “له مشاكل مالية تهدد بإيقاف كل شيء”. وأوضح أن الاتحادات الجهوية كانت تسلم جزءاً من اشتراكات الانخراط إلى المكتب التنفيذي لتغطية المصاريف اليومية، لكنها باتت ترفض تزويد المركزية النقابية بالأموال بعد إيقاف الحكومة الخصم الآلي للاشتراكات. وشدد على أن المهمة الرئيسية للحركة النقابية اليوم هي “إصلاح ما يجب إصلاحه” داخل الاتحاد، معتبراً أن وضعه الحالي “متعب”، وأن التراجع التكتيكي وارد في المعارك. وأضاف أن الأوضاع الإقليمية والعالمية ستفرز مشاكل كبيرة تمس العمال، وأن الأولوية هي حل المشاكل الداخلية ثم خوض المعارك الخارجية.

السلطة: الحوار مع الشارع مباشرة دون وسطاء

من جانبه، اعتبر الأمين العام لحزب المسار (القريب من النظام)، محمود بن مبروك، أن الدعوة إلى المسيرة “تندرج في حق التظاهر الذي أصبح منظماً في تونس ووقع تأمينه”. لكنه رأى أن الاتحاد يمر بإحدى أضعف فتراته، وأن “السلطة لا تتفاعل معه” ومع الأطراف المشاركة في المسيرات التي ينظمها، لعدم تقديمهم أي مقترحات أو حلول جديدة، وفق تقديره. وقال إن السلطة “أغلقت هذا الباب، لأن الحوار أصبح مع الشارع والمواطن مباشرة”، وإنها لا تحتاج إلى أجسام وسيطة. وحول انتقال الاتحاد وقوى سياسية من مساندة إجراءات 25 يوليو 2021 إلى معارضة الرئيس قيس سعيد، اعتبر بن مبروك أن بعض هذه الأطراف كانت تسعى إلى المشاركة في السلطة والحصول على مقاعد برلمانية، ثم انتقلت إلى المعارضة بعدما لم تحقق غايتها. ورأى بن مبروك أن ذلك يعكس “الجانب الانتهازي” لدى بعض المنظمات والجمعيات التي “لم تكن غايتها خدمة الصالح العام والوطن”، لافتاً إلى أن من “يريد خدمة الصالح العام يمكن أن يعطي رأيه ويقع سماع رأيه على جميع الجهات”. واتفق بوجود قطيعة بين السلطة وعدد من الجهات المدنية والسياسية، لكنه نفى أن يعني ذلك توقفها عن الاستماع إلى جميع الأحزاب والمنظمات. وتابع: “هناك تجاوب بين حزبنا والسلطة التي تجاوبت وتبنت عدة مقترحات قدمناها، لذلك لا يمكن القول إن الحوار انقطع بصفة كبيرة”. وشدد على أن الاحتجاج من حق الجميع إذا ما كان هناك ما يدعو له، وأنه مكفول بالقانون والدستور.

يذكر أن الرئيس قيس سعيد شرع في 25 يوليو 2021 في فرض إجراءات استثنائية شملت حل مجلس القضاء والبرلمان، وإصدار تشريعات بأوامر رئاسية، وإقرار دستور جديد عبر استفتاء، وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة. وتعتبر قوى تونسية هذه الإجراءات “تكريساً لحكم فردي مطلق”، بينما تراها قوى أخرى “تصحيحاً لمسار ثورة 2011” التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي (1987-2011). أما سعيد، الذي يحكم تونس لفترة رئاسية ثانية حتى أكتوبر 2029، فيقول إن إجراءاته “ضرورية وقانونية” لإنقاذ الدولة من “انهيار شامل”.