الرئيسية›عربي و عالمي›مدرسة 'طاش مكتب' في إسطنبول تواصل...
عربي و عالمي

مدرسة 'طاش مكتب' في إسطنبول تواصل التعليم بعد 157 عاماً وتخرج أدباء وقادة عسكريين

10/10/2026 11:42

ما زالت مدرسة ‘طاش مكتب’ القريبة من مسجد الفاتح في إسطنبول تستقبل التلاميذ منذ أكثر من قرن ونصف القرن، وقد تخرج منها أدباء وقادة عسكريون. صمد مبنى المدرسة العثماني أمام الزلازل بفضل أعمال ترميم وتدعيم متعاقبة، ولا يزال يحتفظ بطابعه التاريخي.

يُعرف المبنى بين سكان المنطقة منذ عقود باسم ‘طاش مكتب’ أي المدرسة الحجرية، ويضم اليوم مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء. يقع المبنى قرب المدخل المطل على قصر طوب قابي لمسجد الفاتح، ضمن الأراضي الوقفية الخاصة بالسلطان محمد الفاتح، أي ضمن الممتلكات التي خصصها السلطان لخدمة أغراض دينية واجتماعية وفق نظام الوقف العثماني.

مدرسة عسكرية في عهد السلطان عبد العزيز

شُيد المبنى عام 1869 في عهد السلطان عبد العزيز ليكون مدرسة للرشدية العسكرية. كانت ‘الرشدية’ في النظام التعليمي العثماني مرحلة تعليمية تقارب في مستواها المرحلة الإعدادية، بينما كانت الرشدية العسكرية مخصصة لإعداد الطلاب لمسار التعليم العسكري. وجاء افتتاح المدرسة في سياق جهود لإدخال نماذج تعليمية أوروبية إلى المدارس العسكرية العثمانية وافتتاح مؤسسات جديدة لهذا الغرض.

بدأت المدرسة في العام نفسه نشاطها باسم ‘رشدية الفاتح العسكرية’. وفي العام ذاته، افتُتحت أيضاً مدارس رشدية عسكرية في مناطق قوجه مصطفى باشا، وبشيكطاش، وقباطاش، وأوسكودار في إسطنبول. من أبرز الشواهد التي بقيت من مرحلة التأسيس، النقش الموجود فوق بوابة المدخل، الذي يعود تاريخه إلى عام 1869. يحمل النقش نصاً يعود إلى عهد السلطان عبد العزيز، يشير إلى افتتاح مدارس عسكرية في إسطنبول وبغداد وسوريا بهدف نشر العلم وضمان مستقبل البلاد. يشير النقش الذي نقشه خطاط باسم مستعار هو ‘حسني’ إلى أن هدف هذه المدارس هو ‘إعداد أفراد مثقفين يحسنون الاستفادة من وقتهم ويقدمون خدماتهم لمختلف فئات المجتمع’. وحتى اليوم يمر طلاب المدرسة من أسفل هذه الكتابة التاريخية في طريقهم إلى فصولهم، كما فعل طلاب الرشدية العسكرية الأوائل قبل أكثر من قرن ونصف.

أسماء ومراحل تعليمية مختلفة

لم تحتفظ المدرسة باسمها الأول، إذ تغير اسمها وتنوع التعليم الذي تقدمه مرات عدة، بالتوازي مع التحولات التي شهدها نظام التعليم في تركيا. بعد أن بدأت المدرسة باسم المدرسة الرشدية العسكرية، تحولت إلى ‘رشدية كوبريللي’، ثم أصبحت مدرسة الفنون للبنات، ورشدية عبد العزيز، ومدرسة الفاتح الثالثة عشرة، ومدرسة الفاتح الابتدائية. وهكذا، انتقل المبنى الذي شُيد أساساً للتعليم العسكري إلى استقبال طلاب من أعمار ومراحل تعليمية مختلفة، لكن وظيفته التعليمية بقيت مستمرة داخل الجدران الحجرية نفسها.

مع رفع مدة التعليم الإلزامي إلى ثمانية أعوام عام 1997، أصبح اسم المؤسسة ‘مدرسة الفاتح للتعليم الأساسي’. ثم في العام الدراسي 2012-2013، تحولت المدرسة إلى ‘مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء’، وهو اسمها الحالي. بذلك، تغيرت هوية المؤسسة التعليمية ومراحلها عبر الزمن، لكن المبنى حافظ على وظيفته الأساسية كمؤسسة للتعليم.

مبنى صمد أمام الزلازل

شهدت المدرسة على مدار نحو 160 عاماً من وجودها في إسطنبول عدداً من أعمال الترميم والتدعيم، كان أبرزها ما أعقب زلزال عام 1967، الذي ألحق بالمبنى أضراراً كبيرة. أُجريت أعمال ترميم واسعة للمبنى خلال عام واحد، مع الحفاظ على شكله التاريخي. في عام 1982، واجه المبنى خطر الانزلاق الأرضي باتجاه الشارع بسبب أعمال إنشائية جرت في المنطقة. لتفادي ذلك، جرى تدعيم أساسات الواجهة المطلة على الطريق باستخدام تقنية الدعائم الأسطوانية، مما ساعد على تأمين المبنى التاريخي والحفاظ عليه. قبل نحو 17 عاماً، خضع المبنى مرة أخرى لأعمال تدعيم، مع استمرار العملية التعليمية فيه طوال مراحل الترميم والتدعيم.

أسماء بارزة تخرجت في المدرسة

على مدى تاريخ المدرسة الممتد من الرشدية العسكرية إلى وضعها الحالي، جلس في مقاعدها طلاب أصبح بعضهم لاحقاً من الأسماء المؤثرة في الأدب والجيش والسياسة والفن والثقافة في تركيا. من بين الأسماء التي تذكرها المدرسة الشاعر التركي محمد عاكف أرصوي، مؤلف النشيد الوطني التركي، إلى جانب كاظم قره بكير، وفوزي جاقماق، اللذين يعدان من أبرز القادة في الجيش التركي إبان حرب الاستقلال، والأديب والصحفي الشهير رفيق خالد قاراي. لا تزال الفصول التاريخية التي تلقى فيها طلاب الرشدية العسكرية دروسهم تستقبل اليوم طلاب مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء.

في تصريحات للأناضول، قال مدير مدرسة الفاتح الإعدادية للأئمة والخطباء، أنغين لافجي، إن المدرسة واصلت نشاطها التعليمي على مدى سنوات رغم أعمال الترميم والتدعيم التي خضع لها المبنى التاريخي. أوضح لافجي أن المظهر الخارجي للمبنى، على وجه الخصوص، حافظ على ملامحه التاريخية حتى اليوم، مشيراً إلى إجراء أعمال ترميم من وقت إلى آخر للحفاظ على خصائصه التاريخية. وأضاف أن العمل في هذه المنطقة التاريخية، التي تضم ضريح السلطان محمد الفاتح ومسجد الفاتح، يحمل بالنسبة للعاملين في المدرسة معنى خاصاً. وتابع: ‘يسعدنا أن نكون في مثل هذا المكان، وفي مثل هذا الكنز المعنوي. وحتى الأشخاص الذين يأتون من خارج المنطقة يقولون إنهم يشعرون هنا بمعنويات ودوافع مختلفة’. واختتم حديثه قائلاً إن المدرسة خرّجت أسماء بارزة تركت بصماتها في تاريخ الأدب والطب والفن والموسيقا والمجال العسكري.