قفزة بـ1721% في طلب القطاع المالي على مهارة تنسيق الوكلاء خلال 2026

ارتفاع الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي
ارتفعت إعلانات الوظائف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في بنوك مثل جي بي مورغان تشيس وسيتي غروب وكابيتال وان بنسبة 49 بالمئة هذا العام مقارنة بعام 2025، لتصل إلى 139819 إعلاناً، وفقاً لتحليل أجرتها شركة Draup المتخصصة في بيانات التوظيف المؤسسي.
ويظهر هذا الارتفاع أن بنوك وول ستريت انتقلت من مرحلة الاعتماد على روبوتات المحادثة إلى مرحلة أكثر تقدماً في توظيف الذكاء الاصطناعي، مع توجّهها نحو الاعتماد على أعداد متزايدة من الأنظمة الذكية القادرة على تنفيذ المهام وتحمّل جزء متنامٍ من أعباء العمل.
في حين كانت الموجة السابقة من التوظيف في مجال الذكاء الاصطناعي في البنوك تقتصر في الغالب على المهندسين وعلماء البيانات الذين يبنون النماذج أو يكيّفونها لتتلائم مع بيانات الشركات، فقد توسّصت الطفرة الجديدة في الطلب لتشمل الكوادر المسؤولة عن دمج الذكاء الاصطناعي مباشرةً في خطوط الأعمال التشغيلية.
المهارة التقنية الأكثر طلباً: تنسيق الوكلاء
وبحسب التحليل الذي أجرته شركة Draup والذي تم تقديمه حصرياً لشبكة “سي إن بي سي”، فقد سجّلت إعلانات الوظائف التي تتضمن مهارة “تنسيق الوكلاء” قفزة لافتة بلغت 1721 بالمئة خلال العام 2026، لتصبح من بين أكثر المهارات التقنية طلباً في القطاع المالي في الوقت الراهن.
ويعني “تنسيق الوكلاء” القدرة على توزيع المهام بين عدة أنظمة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتنظيم عملها وتنسيق تفاعلها، بحيث يتولى كل نظام جزءاً محدداً من المهمة، ثم يتم جمع هذه النتائج معاً للوصول إلى النتيجة النهائية.
تأثير هذا الاتجاه على الرواتب والمهارات الناعمة وآلية العمل
وليس ارتفاع الطلب مقتصراً على مهارة “تنسيق الوكلاء”، بل يشمل أيضاً أدوات وتقنيات تُستخدم في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، حيث أظهر التحليل ارتفاع الطلب على مهارات استخدام “LangGraph” بنسبة 679 بالمئة، ومهارات استخدام “LlamaIndex” بنسبة 291 بالمئة، وتقنية “التوليد المعزز بالاسترجاع” أو “RAG” بنسبة 259 بالمئة.
وتأتي هذه الزيادة في إطار إقبال البنوك والمؤسسات المالية على تبني أنظمة “الوكلاء الذكيين”، التي تمنح البرامج القدرة على تنفيذ المهام المبتكرة والمعقدة بشكل آلي ومباشر.
وبحسب تقرير أعدته شبكة “CNBC”، واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فإن متوسط الراتب الأساسي لمديري مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي يبلغ حوالي 190 ألف دولار سنوياً، وغالباً ما تكون رواتب الأدوار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء الذكيين أعلى مقارنة بالأدوار التقنية الأخرى في القطاع المالي.
كما تُظهر بيانات Draup نمواً متسارعاً في الطلب على مهارات أخرى بقطاع الذكاء الاصطناعي، خصوصاً تلك المتعلقة بوضع “ضوابط الحماية” للأنظمة، إذ قفزت إعلانات الوظائف المرتبطة بـ “الذكاء الاصطناعي المسؤول” بنسبة 657 بالمئة هذا العام.
وارتفعت الإشارات إلى مهارات حوكمة الذكاء الاصطناعي وإدارة المخاطر بنسبتي 394 بالمئة و359 بالمئة على التوالي، مع تكثيف فرق الأمن السيبراني جهودها لمنع الأطراف الخارجية من استغلال ثغرات قد تؤدي إلى تصرف أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل غير منضبط.
وبحسب الرئيس التنفيذي لشركة Draup، فيجاي سواميناثان، فإن هناك تركيزاً متزايداً على “المهارات الناعمة”، وفي مقدمتها التفكير الإبداعي، وحل المشكلات، والقدرة على طرح الأسئلة الجوهرية وفهم أبعاد العمليات بأسلوب منهجي حاسم، مشيراً إلى أن صعوبة العثور على الكفاءات المناسبة لشغل هذه الوظائف المتخصصة تدفع البنوك الكبرى إلى التركيز على برامج التدريب وإعادة التأهيل الداخلي لتطوير قدرات كوادرها الحالية.
ويشرح الخبير والمطور التكنولوجي هشام الناطور أن فهم مبدأ وظيفة “تنسيق الوكلاء” يمكن تخيله كفريق عمل داخل بنك، حيث يجمع أحد أفراده المعلومات، ويتحقق آخر من صحتها، ثم يقوم الشخص الثالث بالتحقق من النتائج وإعداد تقرير نهائي، وهو ما يشبه عمل أنظمة ذكاء اصطناعي متخصصة تحت إشراف نظام يوزع المهام بينها ويتابع انتقال العمل من مرحلة إلى أخرى.
ويُقرب الناطور المفهوم للعاموم بتخيل البيئة الرقمية في البنك كفرقة أوركسترا موسيقية، حيث يمثل كل برنامج ذكاء اصطناعي عازفاً متخصصاً، ويحتاج الأمر إلى مايسترو بشري يوجه كل عازف متى يبدأ ومتى يصمت، ويضمن تجانس الأداء ليخرجوا بنتيجة متكاملة، وهذا هو جوهر دور منسق الوكلاء.
وبحسب الناطور، لاكتساب مهارة “تنسيق الوكلاء” يمكن بدء الدراسة في علوم الحاسوب أو تكنولوجيا المعلومات، أو الالتحاق بدورات متخصصة في الذكاء الاصطناعي التي تتناول بناء الأنظمة الذكية وربطها ببعضها، مع تعلم أساسيات البرمجة وخصوصاً لغة “بايثون” والتدرب على أدوات تتيح تصميم مسارات عمل آلية، وتشدد على أن اكتساب المهارة يتطلب تطبيق ما يُتعلم عبر مشاريع عملية كإنشاء نظام يجمع المعلومات من مصادر مختلفة ويحللها ثم يقدم تقريراً.
ويقول المحلل الاقتصادي والمصرفي محمد أبو الحسن إن العمل المالي يعتمد على كميات كبيرة من المعلومات التي تتغير باستمرار، ويتطلب تنفيذ إجراءات متعددة ضمن أوقات محددة، لذلك يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تسريع إعداد التقارير، ومراجعة المستندات، وتحليل بيانات العملاء، ومتابعة بعض العمليات التشغيلية، ويزداد أهمية وجود أشخاص قادرين على تصميم هذا المسار وتنظيمه مع زيادة اعتماد المؤسسات المالية على هذه الأنظمة في تنفيذ المهام المترابطة.
ويرى أبو الحسن أن التحول الذي تشهده المؤسسات المالية مع توسع استخدام الوكلاء الذكيين لا يقتصر على إدخال أدوات تكنولوجية جديدة، بل يتضمن إعادة النظر في كيفية توزيع الأعمال والمسؤوليات داخل البنك، إذ يمكن مستقبلاً أن تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي أجزاء متعددة من العملية، بينما يركز الموظف على مراجعة النتائج والتعامل مع الحالات التي تتطلب تقديراً بشرياً، وقد يساعد هذا التحول البنوك على تسريع الخدمات وتحسين كفاءة العمليات، لكنه يستلزم إعادة تصميم إجراءات العمل نفسها، وليس مجرد إضافة الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة القائمة.
وبحسب أبو الحسن فإن على المدى الطويل لن تتحدد قدرة البنوك على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بامتلاكها لأحدث التقنيات فقط، بل بقدرتها على دمج هذه التكنولوجيا في عملياتها بطريقة آمنة وفعالة، فالمؤسسات التي تنجح في الجمع بين الذكاء الاصطناعي والرقابة والخبرة البشرية ستكون أكثر قدرة على تحسين خدماتها، بينما قد تواجه المؤسسات التي تتوسع في استخدام هذه التكنولوجيا دون استعداد كافٍ مخاطر تشغيلية وتكاليف إضافية، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام القطاع المالي حالياً يتمثل في تحقيق التوازن بين تسريع العمل والاستفادة من الأتمتة من جهة، والحفاظ على الثقة والدقة والمساءلة من جهة أخرى، حيث أن هذا التوازن هو ما سيحدد القيمة الفعلية لهذه التقنيات في العمل المصرفي.





