المشاط: التكاليف الاقتصادية تتزايد يومياً وفرص العمل في مهب الريح

في تصريحات أدلت بها خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026 في العاصمة التايلاندية بانكوك، رسمت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للإسكوا، الدكتورة رانيا المشاط، صورة شاملة لأوضاع المنطقة العربية التي تتقاطع فيها أزمات اقتصادية متفاقمة مع تحولات رقمية واعدة. وشكلت فرص العمل المتاحة للشباب محوراً رئيسياً في حديثها، حيث تساءلت كيف يمكن لهذه الفئة أن تنتقل من موقع المتضرر من الأزمة إلى مستفيد من التطور التقني عبر وظائف ذات إنتاجية أعلى.
كلفة تتجاوز 150 مليار دولار في الشهر الأول
استهلت المشاط حديثها بالإشارة إلى ما عرضته قبل أسبوعين أمام مجلس الأمن في نيويورك، حيث قدرت الإسكوا في بداية الأزمة أن تأثيرها على المنطقة تجاوز 150 مليار دولار خلال الشهر الأول وحده. وأقرت بأن المنطقة أظهرت صلابة في العديد من السياسات المنفذة منذ فبراير الماضي لمواجهة آثار الأزمة، لكنها حذرت من أن التداعيات الأخيرة تعكس واقعاً مختلفاً. وأرجعت ذلك إلى ثلاثة عوامل ضاغطة: ارتفاع أسعار الديزل الذي يؤثر مباشرة في أسعار الغذاء، والتطورات في باب المندب التي تضيف بعداً جديداً للأزمة، والآثار الاقتصادية لارتفاع أسعار الفائدة في الدول المتقدمة وانعكاساتها على الدول الناشئة في المنطقة. وخلصت إلى أن التكلفة “تزداد يوماً بعد يوم”.
ممرات ملاحية تحت ضغط غير مسبوق
ورداً على سؤال حول تهديد اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر لأمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، أكدت المشاط أن الممرات الرئيسية تعرضت لضغط شديد، كما أن الممرات البديلة واجهت خلال الشهر الماضي تحدياً كبيراً. ورأت أن الحل يقوم على ثلاثة أركان: التعاون الدولي، وقرارات تتعلق بالأمن الملاحي، وإنفاذ القانون الدولي. وشددت على أن المشكلة لا تقتصر على دولة واحدة، وأن إنفاذ القانون الدولي يتطلب “عزيمة كبيرة جداً” وتعاوناً بين الدول المختلفة.
مخاطر تمتد إلى العالم أجمع
ولفتت المشاط إلى أن الآثار لا تقف عند حدود المنطقة بل تمتد إلى العالم بأسره. واستشهدت بتنبؤات صندوق النقد الدولي للنمو الاقتصادي في عامي 2026 و2027، التي صدرت قبل يوم من حديثها، مؤكدة وجود مخاطر نزولية كبيرة جداً لا تخص دول المنطقة وحدها بل مختلف المناطق الجغرافية. وبناءً عليه، اعتبرت أن “السبيل الوحيد” هو إنفاذ القانون الدولي وعودة الأمن إلى الملاحة.
الذكاء الاصطناعي: استثمارات وفرص عمل
وفي ملف الوظائف، وصفت المشاط الذكاء الاصطناعي بأنه أصبح القاسم المشترك في جميع المنتديات والاجتماعات الدولية، وله أكثر من بُعد. البعد الأول استثماري، ولا يقتصر على الذكاء الاصطناعي نفسه، بل يشمل الاستثمار في الطاقة، لأن تشغيل هذه المحركات يتطلب طاقة ومياهاً، مما يعني في المحصلة استثمارات تحتاج إلى تمويل. أما البعد الثاني فيتصل مباشرة بسوق العمل. فقد أشارت إلى أن دولاً عربية هي المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات استثمرت في النماذج اللغوية العربية، واصفة ذلك بأنه “نقلة مهمة جداً”. ورأت أن أمام المنطقة فرصة لاستخدام هذه المحركات عبر الدول الأخرى، في ظل وفرة الشباب القادرين على الاستفادة من المهارات المتاحة بهذه اللغات، بما يخلق فرص عمل ويرفع الإنتاجية.
وفي هذا السياق، طرحت المشاط مفهوماً جديداً هو “الذكاء الاصطناعي المصغّر” (Small Artificial Intelligence)، ويعني كيفية نقل التطبيقات أو التنفيذ إلى مستوى الشباب والملتحقين حديثاً بسوق العمل، بما يحقق إنتاجية أكبر. وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي من استثمار ضخم في البنى التحتية إلى أداة عملية في يد الجيل الجديد من العاملين.
التكامل الإقليمي حتمية المرحلة
وعن أولويات الإسكوا للمرحلة المقبلة، قالت المشاط إن التعاون والتكامل الإقليمي هو الأساس في ضوء المعطيات الراهنة، مضيفة أن “الجغرافيا موجودة بشكل أساسي”. وأوضحت أن الإسكوا تعمل حالياً على دعم المبادرات الإقليمية في ثلاثة مجالات: الربط الكهربائي، والتعاون في المياه، والتعاون في الذكاء الاصطناعي. ورأت أنه من الضروري إبراز هذه المجالات في المنطقة ودعمها، سواء بالدعم الفني أو عبر شراكات دولية تسهم بشكل أساسي في إنجاز التعاون الإقليمي. وختمت بأن هذا التعاون ليس بديلاً عن التعاون الدولي، لكنه “حتمي في الوقت الحالي”.
تكشف التصريحات عن مفارقة لافتة: فمن جهة، تضغط الأزمة على الاقتصادات عبر ارتفاع كلفة الغذاء والطاقة والتمويل، وهي ضغوط تنعكس بطبيعتها على النشاط الاقتصادي والتشغيل. ومن جهة أخرى، تقدم المشاط الذكاء الاصطناعي، ولا سيما عبر النماذج اللغوية العربية ومفهوم “الذكاء الاصطناعي المصغّر”، بوصفه فرصة لخلق فرص العمل وزيادة الإنتاجية لدى الشباب والملتحقين حديثاً بالعمل. ويقوم ذلك على شرطين وردا في حديثها: تمويل الاستثمارات المطلوبة، بما فيها الطاقة والمياه اللازمتان لتشغيل هذه التقنيات، وتعزيز التكامل الإقليمي الذي تعدّه حتمياً في هذه المرحلة.





