هل تواجه الولايات المتحدة خريفاً استراتيجياً مع تصاعد التحديات؟

أزمة القدرات العسكرية
بعد نحو عقدين من ولاية الرئيس دونالد ترامب، يرى محللون أن الفجوة بين التزامات واشنطن العالمية وإمكاناتها العسكرية اتسعت، بينما لم تزداد ميزانيات الدفاع بالسرعة اللازمة لمواجهة تهديدات متزايدة من روسيا وإيران وكوريا الشمالية، خاصة الصين. وقد ورثت الإدارة وضعاً استراتيجياً صعباً، لكنها ساهمت في تفاقمه من خلال نقص في منظومات اعتراض الصواريخ المطلوبة لتقليل الخسائر في أي مواجهة محتملة مع إيران، ونقص في بعض الأسلحة الأساسية اللازمة لخوض صراعات واسعة النطاق مع روسيا أو الصين. ويحذر خبراء من أن اندلاع صراع رئيسي في منطقة المحيط الهادئ قد يضع القوات الأميركية، المثقلة بالالتزامات ومحدودة الموارد، أمام خطر عدم تحقيق أهدافها العسكرية.
تراجع المصداقية مع الحلفاء
عامل آخر يتمثل في اهتزاز الثقة الأميركية لدى الشركاء نتيجة تقلبات سياسة واشنطن خلال الفترة الماضية. فدول الخليج واجهت تغيرات متكررة في الموقف الإيراني من قبل الإدارة، بينما أثارت بعض تصريحات ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين مخاوف حول مدى التزام الولايات المتحدة بتعهداتها الأمنية التقليدية. وكان من المفترض أن يكون التحول الاستراتيجي نحو آسيا والمحيط الهادئ أبرز سمات سياسة الإدارة الحالية، لكن النقاد يرون أن هذا النهج شابته تناقضات؛ فقد طلبت واشنطن من اليابان توضيح موقفها بشأن أي أزمة محتملة حول تايوان، ثم أبدت استياءً عندما فعلت طوكيو ذلك بالفعل. كما لقيت الإدارة انتقادات بسبب تأخير صفقات تسليح مخصصة لتايوان وتقليص نطاق المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية، مما أثار تساؤلات لدى شركاء واشنطن في المنطقة.
الانتخابات والمخاطر الداخلية والفرص للمنافسين
تتشابك هذه التحديات الخارجية مع عامل داخلي يتمثل في المخاطر المرتبطة بالاستقرار السياسي، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المهمة في عامي 2026 و2028. ويحذر بعض المحللين من أن الانقسامات السياسية الحادة قد تستنزف اهتمام واشنطن بقضايا الأمن القومي، ما قد يترك الدولة منشغلة بأزماتها الداخلية بينما تتصاعد التحديات الخارجية. ويعتقد مراقبون أن هذه الحالة تمنح القوى المنافسة هامشاً أوسع للتحرك؛ فروسيا تواصل تكثيف ما يُعرف بالهجمات الهجينة ضد دول أوروبية، بينما تزيد الصين من ضغوطها العسكرية والاقتصادية في محيطها الإقليمي، لاسيما تجاه الفلبين واليابان وتايوان. وعلى الرغم من أن اندلاع حروب كبرى ليس محتوماً في المدى القريب، فإن التردد الأميركي الحالي قد يشجع المنافسين على اختبار حدود الردع الأميركي والسعي لتحقيق مكاسب استراتيجية إضافية.
حلول محدودة ومنطقة الخطر العالمية
يرى أصحاب هذا التوجه أن معالجة هذه التحديات لن تكون سهلة؛ فضروري، حسب تقديرهم، تعزيز العلاقات مع الحلفاء والتركيز على إعادة بناء القدرات العسكرية بدلاً من فتح جبهات جديدة تستنزف الموارد الأميركية المحدودة. من جهة أخرى، يشيرون إلى أن ترامب قدم بالفعل مقترحات لزيادة الإنفاق الدفاعي وإطلاق إجراءات عاجلة لإعادة بناء مخزونات الأسلحة الأميركية، لكن تنفيذ هذه الخطط، حتى لو أُقرت، يحتاج إلى سنوات قبل أن تظهر نتائجه على أرض الواقع. وقد حذر باحثون منذ عام 2022 من أن الولايات المتحدة قد تدخل خلال النصف الثاني من العقد الحالي مرحلة تزداد فيها احتمالات المواجهة مع الصين، والآن يرون أن هذه «منطقة الخطر» لم تقتصر على التنافس الأميركي الصيني، بل امتدت إلى نطاق عالمي أوسع، وقد تبقى الولايات المتحدة عالقة فيها طوال فترة رئاسة ترامب وربما لما بعد ذلك، وسط بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس بين القوى الكبرى وارتفاع مستويات عدم اليقين الجيوسياسي.





