الرئيسيةعربي و عالميأزمة المياه في غزة تتفاقم.. صهاريج...
عربي و عالمي

أزمة المياه في غزة تتفاقم.. صهاريج إماراتية جديدة تخفف معاناة النازحين

22/09/2026 05:02

تواجه غزة أزمة مياه متفاقمة مع تضرر شبكات الإمداد والآبار ومحطات الضخ، إلى جانب نقص مستلزمات تشغيلها بسبب الحرب، مما يضطر السكان والنازحين إلى الاعتماد بشكل متزايد على المياه المنقولة بالصهاريج لتلبية احتياجاتهم اليومية.

بيانات أممية تكشف حجم الأزمة

وفق أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، يعاني نحو 90% من سكان القطاع من انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الحصول على مياه آمنة ونظيفة وموثوقة للشرب والطهي والنظافة. وتزداد صعوبة الوصول إلى المياه مع استمرار الحاجة إلى الوقود وقطع الغيار والمواد اللازمة لتشغيل مرافق المياه، مما جعل نقل المياه بالشاحنات جزءاً أساسياً من منظومة الإمداد.

وبحسب أوتشا، كان نحو 75% من سكان غزة في نهاية يوليو الماضي يعتمدون على نقل المياه بالشاحنات كمصدر رئيسي لمياه الشرب، فيما كانت 65 جهة تنقل يومياً نحو 20,850 متراً مكعباً من مياه الشرب إلى أكثر من 2,600 نقطة تجميع.

قصص يومية: إنعام وياسر ونضال الحصول على الماء

في خيمة نزوحها وسط قطاع غزة، تبدأ إنعام المقيّد يومها بأربعة جالونات فارغة تضعها على كرسي متحرك، ثم تخرج بحثاً عن المياه. المرأة النازحة من شمال القطاع تعاني ارتفاع ضغط الدم والسكري ومشكلات في القلب، لكنها تقول إنها لا تجد من يساعدها في تعبئة المياه. تقطع مسافة بعيدة إلى نقطة يمكن أن يصل إليها صهريج المياه، ثم تعود بالجالونات التي تمكنت من تعبئتها.

تقول إنعام لـ”سكاي نيوز عربية”: “رحلة الحصول على المياه مرهقة بالنسبة إلي، خصوصاً مع حالتي الصحية، والكرسي المتحرك أصبح وسيلتي للوصول إلى نقطة المياه والعودة منها. أنا مريضة ضغط، مريضة سكر، مريضة قلب. أنا امرأة كبيرة لا أستطيع، لا أحد عندي يساعدني في تعبئة المياه”. وتضيف: “نفرح عندما تأتينا شاحنة لنعبئ المياه. الكل يفرح. كل المخيم يفرح للمياه عندما تأتينا”.

وفي غرب مدينة غزة، يعيش ياسر عبد ربه تجربة أخرى مع النقص نفسه. كل صباح، يخرج من خيمة نزوحه حاملاً بعض جالونات المياه الفارغة، وتصطحبه طفلتاه لمساعدته في الطريق. نحو 500 متر يقطعها الثلاثة للوصول إلى أقرب نقطة يمكن أن يصل إليها صهريج مياه، في رحلة تتكرر يومياً.

يقول ياسر لـ”سكاي نيوز عربية” إن الأسرة المكونة من 4 أفراد لا تحصل في اليوم الواحد إلا على نحو 20 لتراً من المياه، توزع بين الشرب والطهي والاستحمام. ويتابع: “20 لتراً من خلال 30 جالونات أقسمهم لأغراض الاغتسال والحمام والطهي والشرب. أنا أحتاج يومياً ما يقرب من 150 لتراً، لا أستطيع توفيرها”.

اعتماد واسع على نقل المياه وتحديات التشغيل

ما يعيشه إنعام وياسر ليس حالة فردية، بل يأتي في ظل اعتماد واسع على نقل المياه لتغطية النقص الناجم عن تضرر البنية التحتية. تشير بيانات أوتشا إلى أن معظم الأسر في غزة واجهت خلال الأشهر الماضية صعوبة في الوصول إلى الحد الأدنى الإنساني من المياه، بينما أدى نقص الوقود والزيوت وقطع الغيار إلى تقليص قدرة الآبار ومحطات الضخ على العمل.

يقول مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة محمد صالحة لـ”سكاي نيوز عربية” إن 9 من كل 10 مواطنين يواجهون صعوبة كبيرة في الوصول إلى مياه الشرب المفلترة. ويشير إلى أن ارتفاع أسعار الزيوت المعدنية وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مولدات الآبار أدى إلى توقف عدد من الآبار ومحطات الضخ، خصوصاً في غزة وشمال القطاع وخان يونس. ويقول إن تكلفة تغيير زيت مولد واحد قد تصل إلى نحو 15 ألف دولار، في ظل وصول سعر لتر الزيت المعدني، بحسب تقديره، إلى نحو ألف دولار.

وتبقى هذه الأرقام منسوبة إلى الجهة المحلية التي قدمتها، بينما تؤكد تقارير الأمم المتحدة بصورة مستقلة استمرار مشكلة نقص الوقود وقطع الغيار والزيوت اللازمة لتشغيل مرافق المياه.

دعم إماراتي: صهاريج جديدة ومشاريع تحلية

وسط هذه الأزمة، تسلمت مصلحة مياه وبلديات الساحل 9 صهاريج جديدة لمياه الشرب قدمتها عملية “الفارس الشهم 3″، بمساهمة من جمعية دار البر وجمعية الفجيرة الخيرية. جرى تسليم الصهاريج خلال مؤتمر صحفي في مقر المصلحة في دير البلح وسط القطاع، بحضور ممثلين عن مؤسسات محلية ودولية ورؤساء بلديات ومخاتير ووجهاء.

وبحسب عملية “الفارس الشهم 3″، تهدف الصهاريج إلى تعزيز قدرة الجهات المحلية على نقل المياه وتوزيعها في المناطق التي تحتاج إليها، خصوصاً المخيمات التي تعتمد على مصادر مياه متنقلة. وتقول العملية إن هذه الدفعة ترفع إجمالي عدد الصهاريج التي قدمتها منذ أكتوبر 2023 إلى 50 صهريجاً.

يقول نائب مدير عام مصلحة مياه بلديات الساحل عمر شتات لـ”سكاي نيوز عربية” إن الصهاريج التسعة جاءت في توقيت تحتاج فيه المخيمات إلى مزيد من وسائل نقل مياه الشرب. ويضيف أن الدفعة الجديدة يمكن أن يستفيد منها نحو 40 ألف شخص، مشيراً إلى أن الصهاريج ستعزز قدرة المصلحة على توزيع المياه في مناطق مختلفة.

لا تقتصر الاستجابة الإماراتية على الصهاريج، ففي ديسمبر 2023 أنشأت الإمارات 6 محطات لتحلية المياه في مدينة العريش المصرية، بطاقة إنتاجية إجمالية بلغت عند افتتاحها 1.2 مليون غالون يومياً لتصل بعد ذلك لنحو مليوني غالون. وفي أغسطس 2025 بدأ تشغيل خط ناقل للمياه من محطات التحلية الإماراتية في العريش إلى منطقة المواصي في خان يونس، لنقل المياه المحلاة إلى سكان المناطق الجنوبية. وتقول الإمارات إن المشروع صمم لتوفير المياه لنحو 700 ألف نازح.

كما نفذت عملية “الفارس الشهم 3″ خلال الفترة الممتدة من يوليو وأغسطس 2024 وما بعدها مشاريع لإصلاح وتأهيل آبار وخطوط وشبكات مياه متضررة في محافظات مختلفة من القطاع. ويقول مسؤول اللجنة الإعلامية للعملية شريف النيرب لـ”سكاي نيوز عربية” إن تقديم الصهاريج التسعة يمثل استمراراً لمساعدات سابقة في قطاع المياه.

شبكة مائية وجهود مستمرة

بالنسبة إلى مصلحة مياه بلديات الساحل، لا تمثل الصهاريج بديلاً عن الشبكات والآبار، بقدر ما توفر وسيلة إضافية للوصول إلى السكان في المناطق التي لا تستطيع فيها المنظومة التقليدية تلبية الاحتياجات. يقول شتات إن عملية “الفارس الشهم 3” قدمت للمصلحة في وقت سابق نحو 28 شاحنة نقل مياه مماثلة لتخدم مجموع الصهاريج المقدمة من دولة الإمارات ما يقرب من 400 ألف نسمة، مضيفاً أن الدعم شمل أيضاً مشاريع في قطاعي المياه والصرف الصحي، ومن بينها خط المياه الناقل الذي يخدم نحو 700 ألف نازح.

تأتي هذه المشاريع في وقت تشير فيه بيانات الأمم المتحدة إلى أن منظومة المياه في غزة لا تزال تعمل تحت ضغط كبير، بين تضرر البنية التحتية ونقص مستلزمات التشغيل والحاجة إلى نقل المياه إلى أماكن تجمع السكان والنازحين.

الماء الذي ينتظره الجميع

بالنسبة إلى إنعام، لا تبدو هذه المشاريع في صورة أرقام أو بنية تحتية. هي 4 جالونات تضعها على كرسيها المتحرك، ومسافة تقطعها بحثاً عن المياه، وصهريج تتمنى أن يصل قبل أن تضطر إلى العودة خالية اليدين. وبالنسبة إلى ياسر، هي رحلة صباحية مع طفلتيه، تنتهي بما يكفي أو لا يكفي لأسرة من 4 أفراد. أما في المخيم، فتظل لحظة وصول الصهريج مختلفة، لأن الماء الذي يصل إلى نقطة التوزيع لا يملأ الجالونات فقط، بل يخفف انتظاراً يتكرر كل يوم. في غزة، قد يبدأ طريق الماء من صهريج، لكن استمرار الوصول إليه يظل مرتبطاً بقدرة منظومة كاملة على العمل.