احتجاجات فرنسا: شباب من أصول مهاجرة يطالبون بفرص تعليمية متكافئة وسط جدل حول الهوية

في خضم احتجاجات اجتماعية تشهدها فرنسا منذ أسابيع، يبرز شباب من أصول مهاجرة في طليعة المطالبين بتحسين أوضاع التعليم والخدمات العامة، في وقت تتصاعد فيه خطابات تعيد طرح أسئلة الهوية والاندماج. وتتركز التحركات في الثانويات والجامعات، حيث يحتج الطلاب على نقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتراجع الإمكانات، مما يثير نقاشاً أوسع حول تفاوت الفرص واحتمالات تسييس تحركاتهم.
مشاركة متفاوتة وخلفيات اجتماعية
يقول الأكاديمي التونسي المقيم في فرنسا محمد بن نصر، في تصريحات للأناضول، إن مواقف أبناء الجالية تتفاوت بين الانخراط في الاحتجاجات والحياد، فيما يتجنب من ارتقوا اجتماعياً الحديث عن التحركات أو المشاركة فيها. لكنه يرى أن تأثر أبناء الجاليات بسياسات التقشف الاجتماعي التي تنتهجها الحكومات اليمينية يدفعهم إلى مشاركة لافتة، خلافاً لموقفهم من حراك “السترات الصفراء” سابقاً، الذي اعتبروه تحركاً لأصحاب أوضاع مهنية يسعون للمحافظة عليها، وليس للمهمشين المفتقدين أبسط الحقوق.
ويشير بن نصر إلى أن المناطق المهمشة والفقيرة لم تشهد، بحسب قوله، أعمال نهب وتخريب، وذلك في تعليقه على أحداث العنف التي رافقت احتجاجات 17 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، والتي شملت نهب متاجر وإحراق مبنى البلدية التاريخي في مدينة ليموج.
من جهته، يدعو المحلل السياسي منار اسكندراني إلى فهم الاحتجاجات ضمن سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ويقول: “نحن أمام جيل من الشباب الفرنسي الذي يطالب، في المقام الأول، بظروف تعليمية أفضل، وبمدرسة عمومية تتيح له فرصاً متكافئة في النجاح والترقي الاجتماعي”. ويوضح أن المطالب تشمل نقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتردي البنية التحتية وضعف الإمكانات.
المواطنة والفرص المتكافئة
يشدد اسكندراني على أن أبناء الأسر المهاجرة يشاركون بوصفهم جزءاً من المجتمع الفرنسي، ويدعو إلى التمييز بينهم وبين المهاجرين، إذ وُلد كثير منهم في فرنسا ويحملون جنسيتها ولا يعرفون وطناً غيرها. ويقول: “الأصل العائلي لا ينتقص من المواطنة، ولا يجوز أن يتحول إلى معيار للحكم على الولاء الوطني أو على الحق في الاحتجاج”.
ويلفت اسكندراني إلى تأثر أبناء الأسر المهاجرة، خصوصاً في الأحياء الشعبية والضواحي المحرومة، بتفاوت الفرص التعليمية والاجتماعية، حيث يزيد التوزيع غير المتكافئ للموارد تعرضهم للهشاشة. ويصف بن نصر المدارس في المناطق ذات الكثافة السكانية من أصول غير فرنسية بأنها أشد افتقاراً إلى المستلزمات المادية والتربوية، مع نقص التجهيزات والطواقم، وضعف كفاءة بعض المدرسين وكثرة غيابهم، ومشكلات الانضباط. ويربط ذلك بارتفاع التسرب المدرسي، مستشهداً بنسبة 13 بالمئة، قال إنها وردت في أحدث بيانات موسعة لـ”المرصد الوطني للسياسة الحضرية” بشأن التعليم.
ويربط بن نصر الحراك بأزمة هيكلية تصعّب التوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، معتبراً أن إمكانات الدولة أتاحت هذا التوازن طويلاً، ويعزو معظمها إلى ما يصفه بسياسة “النهب لخيرات الشعوب”. ويرى أن تنافس القوى على الموارد ورفض دول إفريقية استمرار الهيمنة الفرنسية أضعفا قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية، ودفعاها إلى التخلي عن بعضها باتجاه نموذج ليبرالي، بينما يتمسك الفرنسيون بالدولة الراعية وحقوقهم الاجتماعية.
التوظيف السياسي مع اقتراب الانتخابات
يرى بن نصر أن اقتراب الاستحقاق الرئاسي يجعل الاحتجاجات موضع تنافس، متحدثاً عن حرص على تحميل تيار “فرنسا الأبية” مسؤولية التخريب والنهب المصاحبين لاحتجاجات 17 أكتوبر الجاري. ويقول إن تجاوزات مماثلة رافقت احتجاجات سابقة، لكنها لم تكن بهذه الدرجة، وفق تقديره. ولا يستبعد بن نصر أن تكون أطراف يمينية داخل القوات الأمنية فسحت المجال لعناصر فوضوية، بهدف تحميل الفرنسيين من أصول أجنبية المسؤولية. وينقل عن البعض القول إن أغلب المتاجر المتضررة يملكها يهود، رابطاً طرح الاتهامات بمواقف “فرنسا الأبية” الداعمة لغزة والقضية الفلسطينية.
بدوره، يستحضر اسكندراني بروز الأمن والهجرة والضواحي في حملة نيكولا ساركوزي الرئاسية عام 2007، ويرى أن أزمات هذه المناطق أصبحت ساحة للتنافس حول الهوية الوطنية والنظام العام. ويضيف أن الخطاب السياسي رسخ أحياناً مقاربة أمنية أو هوياتية لمشكلات الضواحي، وأغفل تراكم الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية. ويحذر اسكندراني، مع اقتراب الانتخابات، من توظيف الاحتجاجات حزبياً، خصوصاً بتقديمها دليلاً على فشل الاندماج أو تهديد النظام الجمهوري، مع تأكيده أن مناقشة الأمن والهجرة لا تعني بالضرورة وجود دافع انتخابي. ويدعو إلى التمييز بين النقاش المشروع واستغلال المخاوف لإعادة رسم الحدود بين الفرنسيين على أساس أصولهم.
ويؤكد اسكندراني أن أبناء الجاليات “ليسوا كتلة سياسية متجانسة”، ولا يمتلكون بالضرورة موقفاً واحداً أو دوافع موحدة، بل هم جزء من الشباب الفرنسي المطالب بحقوقه. ويخلص إلى أن السؤال الحقيقي “ليس لماذا يشارك هؤلاء الشباب في الاحتجاجات، بل لماذا يشعر بعضهم بأن المدرسة التي يُفترض أن تضمن تكافؤ الفرص لا تمنحهم الفرص نفسها التي يحصل عليها غيرهم”.
يبرز بين قيادات الاحتجاجات رياض راني (19 عاماً)، المولود لأب من أصول جزائرية وأم فرنسية، ويترأس “الاتحاد النقابي لطلاب الثانويات في فرنسا”، والذي تعرض – وفق قوله – لإهانات عنصرية وتهديدات بالقتل، خصوصاً من أوساط اليمين المتطرف. ومنذ السبت، تشهد فرنسا احتجاجات لحركة “السترات الصفراء” ضد غلاء المعيشة في مئات المواقع، بمشاركة طلاب ومزارعين وناشطي مناخ، رافقتها أعمال عنف بين الشرطة والمحتجين ونهب متاجر وإحراق مبنى البلدية التاريخي بمدينة ليموج.





