الرئيسيةعربي و عالميكوبا في مرمى ترمب: هل تعود...
عربي و عالمي

كوبا في مرمى ترمب: هل تعود الجزيرة ساحةً لتصعيد الصراع الدولي؟

23/05/2026 11:02

عادت كوبا لتصبح مركز الصراع مع الولايات المتحدة، ولكن هذه المرة تحت إدارة أمريكية أكثر صرامة يرأسها الرئيس دونالد ترمب، الذي يبدو عازماً على إعادة رسم خريطة النفوذ في نصف الكرة الغربي باستخدام القوة الاقتصادية وربما العسكرية. منذ اليوم الأول لعودته إلى البيت الأبيض، وضع ترمب الجزيرة الشيوعية الصغيرة في صميم استراتيجيته الإقليمية، معتبرًا أن كوبا لم تعد مجرد خصم إيديولوجي قديم، بل أصبحت “تهديدًا استثنائيًا” للأمن القومي الأمريكي بسبب علاقاتها المتنامية مع روسيا والصين.

تحول في العقيدة الأمريكية

هذا التصعيد لا يقتصر على امتداد للخلاف التاريخي بين واشنطن وهافانا، بل يعكس تحولًا أوسع في العقيدة الأمريكية الجديدة التي تسعى إلى تكريس الهيمنة الكاملة على الأميركتين ومنع أي نفوذ منافس في المنطقة، سواء كان روسيًا أو صينيًا أو غير ذلك. وبالتالي، يتجاوز ملف كوبا مسألة الحصار التقليدي أو الخلاف السياسي، ليصبح جزءًا من صراع دولي أوسع على النفوذ والنظام العالمي المستقبلي.

اتهام جنائي لرؤساء سابقة وتدهور العلاقات

تصاعد التوتر قبل أيام قليلة، عندما وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات جنائية إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو (94 عامًا) بشأن حادث وقع عام 1996، حيث أسقطت مقاتلات كوبية طائرتين صغيرتين تابعتين لمنظمة “أخوة الإنقاذ” التي أسسها منفيون كوبيون في ميامي. أسفر الحادث عن مقتل أربعة أشخاص، ما أدى إلى تدهور العلاقات بين واشنطن وهافانا بشكل خطير.

ومن الجدير بالذكر أن راؤول كاسترو لم يكن شقيق قائد الثورة فحسب، بل كان شخصية محورية في تحول كوبا. ساهم في دحر غزو خليج الخنازير الذي شنتها الولايات المتحدة عام 1961 في عهد الرئيس جون كينيدي، وشغل منصب وزير الدفاع لعدة عقود. تولى فعليًا قيادة كوبا منذ استقالة شقيقه فيدل لأسباب صحية عام 2006، ولا يزال يتمتع بنفوذ كبير في كواليس السياسة الكوبية.

سياسة “الضغط الأقصى” تحت ترمب

اعتمد ترمب خلال ولايته الثانية سياسة “الضغط الأقصى” ضد كوبا، مقاربة تستهدف خنق الاقتصاد ودفع النظام إلى الانهيار من الداخل. في هذا الإطار، كثفت الإدارة الأمريكية القيود على السفر إلى الجزيرة، وحددت المعاملات المالية مع المؤسسات المرتبطة بالجيش الكوبي، وعززت الحصار الاقتصادي المفروض منذ أكثر من ستة عقود.

وفي 29 يناير 2026، وقع ترمب أمراً تنفيذياً رقم 14380 أعلن فيه حالة طوارئ وطنية مرتبطة بكوبا، وهي خطوة وصفها مراقبون بأنها تصعيد غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة. وسع القرار نطاق العقوبات بشكل كبير، حيث سمح بفرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع القادمة من دول ثالثة تبيع كوبا نفطًا أو تزودها به، في محاولة لعزل الجزيرة اقتصاديًا وتجفيف مصادر الطاقة التي يعتمد عليها النظام.

غالبًا ما يتولى إطلاق الكلام القاسي وإعلان التدابير العقابية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، المولود في ميامي لأبوين مهاجرين من كوبا، الذي يرى في الجزيرة تهديدًا جديًا للأمن القومي الأمريكي بسبب تحالفها مع خصوم الولايات المتحدة.

محور معادي ومطالبات الاستخبارات

تعتبر واشنطن كوبا جزءًا من محور معادي يضم روسيا والصين (وفنزويلا قبل إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو)، وتعتقد أن استمرار النظام الكوبي يمنح خصومها موطئ قدم استراتيجي على مسافة أقل من 150 كيلومترًا من السواحل الأمريكية. لهذا السبب، زار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف هافانا في 14 مايو مطالبًا بـ”تغييرات جوهرية” تشمل إصلاحات اقتصادية، وإغلاق مواقع الاستخبارات الصينية والروسية، وحتى إبعاد الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل.

يبقى السؤال: لماذا يركز ترمب الآن على كوبا؟ الجواب يكمن في رؤية الإدارة الأمريكية الجديدة للمنطقة، حيث تعطي استراتيجية الأمن القومي والرؤية الشاملة للدفاع الوطني أولوية قصوى للنصف الغربي من الكرة الأرضية، مع تشدد في منع أي توسع للخصوم الدوليين داخل “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة. بعد نجاح الضغوط الأمريكية في إضعاف النظام الفنزويلي عبر اعتقال مادورو في 3 يناير 2026، يبدو أن البيت الأبيض يرى أن الوقت مناسب لتكرار السيناريو نفسه في كوبا.

أزمة اقتصادية خانقة داخل الجزيرة

أدى تشديد الحصار إلى أزمة اقتصادية خانقة في كوبا التي يقدر عدد سكانها بنحو 11 مليون نسمة؛ فقد أصبحت الانقطاعات الكهربائية شبه يومية، وأغلقت المدارس والجامعات أبوابها في بعض المناطق، بينما تواجه المستشفيات نقصًا حادًا في الوقود والأدوية واللوازم الأساسية. انهار قطاع السياحة، الذي كان أحد أبرز مصادر العملة الصعبة للبلاد، ما دفع آلاف الكوبيين إلى الهجرة أو إلى الاحتجاج في مشهد نادر داخل دولة لطالما أحكمت قبضتها الأمنية على جميع مفاصل الحياة.

على الرغم من أن واشنطن لا تعلن رسميًا عن نية التدخل العسكري في كوبا، نقلت مجلة “بوليتيكو” عن مسؤولين أمريكيين أن الخيار العسكري بات مطروحًا بجدية أكبر من السابق، خصوصًا بعد فشل العقوبات في دفع القيادة الكوبية إلى تقديم تنازلات جوهرية. وهذا يمثل تحولًا خطيرًا مقارنة بالأشهر الماضية، حين ركزت الإدارة الأمريكية أساسًا على الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

إن أي عمل عسكري ضد كوبا لن يكون سهلاً أو محدود التداعيات؛ فالعلاقات بين البلدين تاريخها حافل بالمواجهات التي كادت تدفع العالم إلى حرب نووية. ففي عام 1962، وصلت أزمة الصواريخ الكوبية إلى ذروتها حين نشر الاتحاد السوفييتي رؤوسًا نووية في الجزيرة، وردت الولايات المتحدة بفرض حصار بحري ورفع حالة التأهب العسكري إلى أقصى درجاتها. انتهت الأزمة بتراجع موسكو مقابل تعهد أمريكي بعدم غزو كوبا، وسُجلت كواحدة من أخطر محطات الحرب الباردة.

جذور الصراع وتاريخ الحصار

تعود جذور العداء إلى ما قبل ذلك بكثير؛ ففي خمسينيات القرن الماضي دعمت واشنطن نظام فولخينسيو باتيستا، الذي كان يُنظر إليه من قبل كثير من الكوبيين كرمز للفساد والتبعية الأمريكية. ثم جاءت ثورة المحامي فيدل كاسترو والطبيب الأرجنتيني تشي غيفارا عام 1959، لتطيح بالنظام وتدخل الجزيرة في مواجهة مباشرة مع واشنطن، خاصة بعد تأميم الممتلكات الأمريكية والتحالف مع الاتحاد السوفييتي.

منذ ذلك الحين فرضت الولايات المتحدة حصارًا اقتصاديًا شاملاً على كوبا استمر لعقود طويلة رغم الإدانات الدولية المتكررة. شهدت العلاقات انفراجًا نسبيًا خلال عهد الرئيس باراك أوباما، الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفارات عام 2015، لكن التوتر عاد بقوة مع ترمب الذي أعاد كوبا إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب وشدد العقوبات من جديد.

مرحلة مفصلية ومستقبل محتمل

اليوم، تبدو الجزيرة واقفة أمام مرحلة مفصلية جديدة؛ فترمب يعتقد أن النظام الكوبي يقترب من الانهيار، وقد صرح مرارًا بأن “كوبا تشهد النهاية”. وفي الوقت نفسه يحذر خبراء الأمم المتحدة من أن الحصار ارتقى إلى مستوى “العقاب الجماعي” ويهدد الحقوق الأساسية للشعب الكوبي.

من جهته، حذر الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل من أن أي هجوم أمريكي سيؤدي إلى “حمام دم بعواقب لا يمكن تصورها”. وبين التهديد الأمريكي والتحذير الكوبي، تبقى الجزيرة الصغيرة عالقة في قلب صراع أكبر منها بكثير؛ صراع يتجاوز حدود هافانا وواشنطن ليعكس شكل النظام الدولي الجديد، وحدود القوة الأمريكية، ومستقبل النفوذ العالمي في منطقة تشكل المدى الحيوي للولايات المتحدة.

قد يحمل اسم كوبا نفسه رمزية لهذا الصراع؛ فوفقًا للمعتقد الشائع، يعود الاسم إلى كلمة “كوباناكان” في لغة التاينو، وتعني “المكان العظيم” أو “الأرض الخصبة”. وعلى مدى أكثر من قرن، ظلت هذه الأرض الصغيرة تجذب الإمبراطوريات الكبرى، وتتحول قسرًا إلى ساحة اختبار للطموحات الدولية، من الحرب الباردة إلى صراعات القرن الحادي والعشرين.