الرئيسيةعربي و عالميأوروبا تواجه مخاطر أمنية متزايدة بسبب...
عربي و عالمي

أوروبا تواجه مخاطر أمنية متزايدة بسبب تفاقم تغير المناخ

23/08/2026 13:01

المناخ يفتح جبهة أمنية جديدة

أوضح باتريك شرودر، الباحث الأول في قضايا البيئة والمجتمع بالمعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس”، أن تغير المناخ بات يمثل أكبر تهديد أمني منهجي لأوروبا.

وأشار إلى أن القارة تعيش أسوأ صيف لها على الإطلاق من حيث شدة موجات الحر والجفاف وانتشار حرائق الغابات، ولا يوجد خطر آخر يؤثر على هذا العدد من الدول والسكان والأنظمة الحيوية في الوقت نفسه.

ولفت إلى أن موجة الحر في يونيو 2026 تسببت في وفاة ما يقدر بنحو عشرة آلاف شخص إضافي، كما دمرت نحو تسعة ملايين طن من المحاصيل الزراعية في القارة.

وأضاف أن الجفاف والحرائق طالت prácticamente جميع أنحاء أوروبا، إذ احترق أكثر من ستمائة ألف هكتار من الأراضي والغابات منذ بداية السنة، واضطر مئات الآلاف من الأشخاص إلى ترك مساكنهم.

الضغط على البنية التحتية والاستعداد العسكري

وبين شرودر أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة ونقص المياه يهددان الأمن المائي والغذائي، ويقيّدان حركة النقل النهري والسكك الحديدية، ويضعان ضغوطاً على خدمات الصحة والطوارئ.

وذكر أن المنازل والشركات والبنية التحتية الحيوية تعرضت لأضرار، وأن انخفاض مستويات الأنهار أجبر بعض المفاعلات النووية على التوقف عن العمل بسبب نقص مياه التبريد الملائمة، ما يهدد بإخلال سلاسل إمدادات الطاقة.

وحذّر من أن تغير المناخ يجعل أوروبا أكثر عرضة لهجمات غير تقليدية، إذ يمكن أن تحول الموجة الحر والجفاف الممتدة البلدان إلى صندوقاً سريع الاشتعال، كما حذر رئيس الوزراء البريطاني ندي بيرنام قبل أن تصدر حكومته تحذيراً عاماً طارئاً بشأن حرائق الغابات.

وأوضح أن عملاً واحداً من إشعال الحرائق عمداً قد يؤدي إلى إخلاء جماعي وتدمير للبنية التحتية وإغراق خدمات الطوارئ، مشيراً إلى سهولة تنفيذ مثل هذه الهجمات وصعوبة منعها من قبل السلطات، مما يجعل حرائق الغابات أداة محتملة للإرهاب أو للحرب غير المتكافئة شديدة التدمير.

وبيّن أن فرنسا أوقفت نحو خمسمائة شخص للاشتباه في إشعالهم حرائق، وقالت وزارة الداخلية في ثلاثين يوليو إن سبعين بالمائة من الموقوفين متهمون بإشعال الحرائق عمداً.

وأشار إلى أن الضربات الروسية المتكررة تسببت في إشعال حرائق في غابات أوكرانيا، وفي مايو 2026 أدت هجمات بطائرات مسيرة إلى اندلاع عدة حرائق غابات في منطقة تشيرنوبل المحظورة ومنطقة جيتومير.

التكيف والاستثمار كحل

ولفت شرودر إلى أن تغير المناخ يؤثر أيضاً على الجاهزية العسكرية الأوروبية من خلال إلحاق أضرار بالقواعد الجوية والمطارات وشبكات النقل، موضحاً أن الظروف الجافة الممتدة ساهمت في اندلاع حرائق غابات بدأت في مناطق تدريب عسكرية بهولندا في أبريل.

وأضاف أن أي اضطراب في البنية التحتية الأوسع مثل شبكات الكهرباء أو النقل يمكن أن يضعف العمليات العسكرية مباشرةً، وأن القوات المسلحة الأوروبية تحتاج الآن إلى الاستعداد لاستدعائها بشكل أكثر تكراراً لمكافحة الحرائق وتعزيز الدفاعات ضد الفيضانات ودعم الإجلاء وتوصيل إمدادات الطوارئ وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، مما سيصرف الأفراد والقدرات اللوجستية بعيداً عن التهديدات الأمنية الأخرى.

وذكر أن ذلك يحدث بالفعل، ففي شهري يونيو ويوليو فقط نُشرت القوات المسلحة أكثر من ثلاثين مرة استجابة لحرائق الغابات في أنحاء أوروبا، ونشرت إسبانيا أكثر من ألفين ومئتين فرد عسكري وأربعمائة مركبة لمواجهة حريق كبير واحد، بينما يشارك حاليا نحو مئتين من الأفراد العسكريين في المملكة المتحدة في مكافحة حرائق الغابات بجنوب ويلز.

ونوّه إلى أن تقييم الأمن المناخي الصادر عن منظمة العلوم والتكنولوجيا التابعة لحلف الناتو في يناير 2026 يرى أن تغير المناخ يمثل “مشكلة منهجية” تؤثر في جميع المخاطر الأمنية الأخرى، ويوصي بتحديث خطة الناتو الحالية للعمل بشأن تغير المناخ والأمن الصادرة في عام 2021 بصورة شاملة وتحويل المعرفة المناخية إلى إجراءات عملية، مع تنسيق أفضل بين العلماء ومتخصصي الدفاع وصانعي السياسات.

وأشار إلى أنه помимо خطة الناتو هناك حاجة إلى نهج أوروبي أوسع يقوم على مفهوم الأمن في التعامل مع تغير المناخ، ويجب أن يحقق هذا النهج عدة أهداف.

وبيّن أن أعضاء الناتو الأوروبيين التزموا بإنفاق خمسة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035، بما في ذلك ما يصل إلى 1.5 بالمائة على استثمارات أوسع مرتبطة بالدفاع والأمن مثل البنية التحتية والقدرة على الصمود.

وأوضح أن الناتو لم يحدد صراحة التكيف مع تغير المناخ كإنفاق مرتبط بالدفاع، لكن الاستثمار في هذا المجال يمكن أن يسهم بشكل كبير في تعزيز القدرة على الصمود على المدى الطويل.

ولفت إلى أن الاستثمارات في البنية التحتية والحماية المدنية والاستعداد للطوارئ يجب أن تكون قادرة على الصمود أمام تغير المناخ ومهيأة للمستقبل، ويمكن اعتبارها محتملة ضمن نسبة الـ1.5 بالمئة غير الواضحة للإنفاق الأوسع المرتبط بالأمن.

وأضاف أن اعتبار الإجراءات المناخية استثمارات أمنية مهمة يساعد على توجيه الموارد المحدودة وتحسين القدرة على الصمود، وقد يعين الدول الأعضاء على cumplir بالتزاماتها الإنفاقية.

وتابع أن سياسات المناخ والطاقة الأوروبية ساهمت في خفض انبعاثات دول الاتحاد الأوروبي الـ27 إلى نحو خمسة وثلاثين بالمئة دون مستويات عام 1990، لكن الاتحاد لا يزال مسؤولاً عن 3.2 جيجا طن من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري سنوياً، أي نحو ستة بالمئة من الانبعاثات العالمية.

وأكد أن إزالة الكربون في أوروبا لا تقتصر على خفض الانبعاثات بل تمتد أيضاً إلى تأثيرها العالمي في تحفيز دول أخرى على حذو حذوها.

وأشار إلى أن الاستعداد والتكيف يمكن أن يقللا من الخسائر البشرية والأضرار، لكنهما لا يستطيعان مواكبة التفاقم المستمر للحرارة والجفاف والفيضانات والحرائق إلى أجل غير مسمى، لكون أوروبا هي القارة الأسرع احتراراً في العالم، وأن سياساتها الحالية وتعهداتها المناخية غير كافية للتكيف الكامل مع الزيادة المتوقعة في متوسط درجة الحرارة العالمية التي تتراوح بين 2.4 و3.9 درجة مئوية خلال هذا القرن.

وخلص إلى أنه يجب أن يرافق الاستثمار في القدرة على الصمود خفض سريع للانبعاثات وتعزيز الالتزام السياسي بإزالة الكربون، وذلك لمنع تحول التهديد إلى خطر أكثر حدة وصعوبة في السيطرة عليه.

وأخيراً، ذكرت التقييمات أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى استثمار نحو سبعين مليار يورو سنوياً في التكيف مع تغير المناخ حتى عام 2050 لتجنب أسوأ الآثار، بينما تحتاج المملكة المتحدة إلى استثمار نحو أحد عشر مليار جنيه إسترليني سنوياً وفقاً لتقرير لجنة تغير المناخ البريطانية الصادر في مايو.

وأوضحت أن هذه الأرقام قد تبدو كبيرة لكنها متواضعة مقارنة بالتكلفة المتزايدة لعدم اتخاذ أي إجراء، إذ تسببت الكوارث المرتبطة بالمناخ في خسائر مباشرة للاتحاد الأوروبي بلغت في المتوسط خمسة وأربعين مليار يورو سنوياً خلال الفترة 2020‑2024، بينما قد يكلف ضعف التكيف المملكة المتحدة ما بين ستين ومئتين وستين مليار جنيه إسترليني سنوياً بحلول عام 2050.

وأكدت أن العديد من الإجراءات تسترجع تكلفتها عدة مرات، فعلى سبيل المثال كل يورو يُستثمر في الحماية من الفيضانات الساحلية يتجنب نحو ستة وثلاثين وخمسة أعشار يورو من الأضرار، إلى جانب إنقاذ الأرواح وحماية موارد أخرى.

وخلصت إلى أن التكاليف المقدرة للتكيف صغيرة مقارنة بالمخاطر التي يمكن تجنبها والأضرار التي يمكن تفاديها، portanto يجب النظر إلى التكيف مع تغير المناخ ليس كنفقات بيئية بل كاستثمار فعال من حيث التكلفة وضروري للأمن القومي الأوروبي والاستقلالية الاستراتيجية.