جدل في تونس حول حراك الصحفيين: معركة بقاء مهنية أم منافسة نقابية قبل المؤتمر؟

تونس – قبل أقل من ثلاثة أسابيع من انعقاد المؤتمر الانتخابي السابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، يشهد القطاع الإعلامي في البلاد موجة احتجاجية غير مسبوقة، تتزامن مع توقيف أربعة صحفيين وشكاوى نقابية من تردي أوضاع العاملين في المجال. وقد تباينت التفسيرات حول دوافع هذا الحراك بين من يراه استجابة لأزمة هيكلية تهدد وجود المهنة، ومن يعتبر توقيته مرتبطا بحسابات انتخابية مع اقتراب المؤتمر النقابي.
وشملت التحركات الاحتجاجية فعاليات تضامنية مع الصحفيين المعتقلين، وإقرار إضراب عام ليوم واحد لم يُحدد موعده بعد، إلى جانب إعلان النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين “حالة الطوارئ الإعلامية”، وذلك قبيل المؤتمر المقرر عقده في العاشر والحادي عشر من أكتوبر 2026. وفي الثاني عشر من سبتمبر الجاري، نظم عشرات الصحفيين وقفة احتجاجية أمام مقر النقابة، وجهوا خلالها رسائل تضامن إلى كل من زياد الهاني ومراد الزغيدي ومحمد اليوسفي وبرهان بسيس.
أكاديمي: أزمة وجودية لا حسابات انتخابية
في تصريحات لوكالة الأناضول، رأى الأستاذ بمعهد الصحافة في تونس أمين بن مسعود أن المشهد الإعلامي لا يواجه صراعا هامشيا، بل أزمة وجود تهدد الهوية الصحفية ومستقبل القطاع بأكمله. وأوضح أن قيام قطاع صحفي فاعل يستند إلى ثلاثة عناصر أساسية: هيئات تعديلية (تنظيمية)، وقوانين تضمن حرية العمل الصحفي، وأوضاع اقتصادية واجتماعية توفر الحد الأدنى من الكرامة للصحفيين. وأضاف أن الهيئات التعديلية معطلة، والقوانين زجرية، والواقع الاجتماعي بائس في معظمه.
واعتبر بن مسعود أن حبس الصحفي محمد اليوسفي في التاسع من سبتمبر الجاري كان “القشة التي قسمت ظهر البعير”، مما دفع الصحفيين للتعبير عن موقفهم الجماعي. واستبعد بشدة ارتباط الحراك باقتراب المؤتمر الانتخابي للنقابة، مؤكدا أن الأمر يتعلق بمسائل مبدئية وليس بأغراض انتخابية. وتابع: “عندما يكون هناك ظلم وتعدٍ على الحريات، لا بد من التضامن بمعزل عن الانتخابات”، منتقدا من يترشحون للانتخابات دون التضامن مع الصحفيين المعتقلين، ومشددا على أن بناء رصيد انتخابي يجب أن يتحقق عبر التضامن لا التخلي.
مسؤولة نقابية: معركة بقاء وليس توظيفا سياسيا
واتفقت عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين جيهان اللواتي مع بن مسعود في عدم وجود رابط بين الاحتجاجات والحسابات الانتخابية. وقالت إن الأسباب لا تقتصر على التهديدات المباشرة لحرية التعبير والصحافة، بل تعكس “أزمة هيكلية متشعبة” دفعت النقابة إلى إعلان “حالة الطوارئ الإعلامية”. وأشارت إلى أن للاحتجاجات بعدا حقوقيا وتشريعيا يتمثل في استمرار الملاحقات القضائية للصحفيين ومحاكمتهم بموجب نصوص استثنائية، أبرزها المرسوم رقم 54 لسنة 2022، فضلا عن وجود صحفيين في السجون وتضييق سبل الوصول إلى المعلومات الرسمية.
وأوضحت اللواتي أن الأوضاع المادية للصحفيين تشهد تدهورا ملحوظا، مع هشاشة العقود وغياب الأمان الوظيفي وتفاقم أزمة المؤسسات الإعلامية، مما انعكس سلبا على مقومات العمل الصحفي المستقل. وأكدت أن جذور هذه النضالات أعمق بكثير من الحسابات الظرفية، ولا يوجد أي ارتباط سببي حقيقي بين الحراك الحالي واستحقاق المؤتمر الانتخابي. واعتبرت وجود زميلات وزملاء في السجون أو في حالة تتبع قضائي “خطا أحمر لا يمكن توظيفه سياسيا أو انتخابيا، بل هو معركة بقاء ودفاع عن وجود المهنة نفسها”. وأشارت إلى وجود وعي عالٍ لدى الصحفيين والنقابيين بخطورة المرحلة، مما يجعلهم يلتقون حول الهيكل النقابي بمعزل عن التجاذبات الانتخابية التي وصفتها بأنها شأن تنظيمي داخلي.
نقابي سابق: اللعبة الانتخابية تتكرر قبل المؤتمرات
في المقابل، اعتبر الصحفي المتقاعد من التلفزيون التونسي والنقابي السابق عبد الحق الطرشوني أن الحراك الاحتجاجي قبل الانتخابات النقابية أمر متكرر يندرج ضمن المنافسة الانتخابية التي تشهدها الأحزاب والنقابات والجمعيات. وقال: “هذا أمر عادي وبديهي تعودنا عليه، يكاد يكون قاعدة عامة في كل المؤتمرات، وهي لعبة انتخابية منتشرة في جميع المجتمعات الديمقراطية”.
وفي تقييمه لأداء النقابة، أوضح الطرشوني أن نشاط العمل النقابي تراجع في مجالات عدة، بينها تنظيم اللقاءات العامة والفعاليات الفكرية والثقافية التي تجمع الصحفيين لمناقشة قضاياهم المهنية. وأشار إلى أن نقابة الصحفيين أصبحت الممثل الأبرز للقطاع بعد تراجع حضور النقابة العامة للإعلام التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل. وانتقد تركيز النقابة على شعارات حرية الرأي والتعبير وإصدار بيانات تتضمن مواقف سياسية، معتبرا أن ذلك أدى إلى الخلط بين التجاوزات القانونية والمهنية وحرية الرأي والتعبير.
وقال الطرشوني إن النقابة انخرطت في الدفاع عن صحفيين وإعلاميين يواجهون اتهامات مختلفة، بينها الثلب ونشر معلومات مضللة وقضايا مالية والتآمر على أمن البلاد، مشددا على ضرورة انتظار الأحكام القضائية النهائية قبل اعتبار تلك القضايا اعتداء على حرية الصحافة. وأكد أن دور النقابة يتمثل في انتظار الأحكام النهائية، والدفاع عن الحقوق المعنوية والمادية للصحفيين الذين تثبت براءتهم، واتخاذ مواقف مهنية بحق من تثبت إدانتهم. كما أشار إلى انتقادات موجهة لمشاركة المكتب التنفيذي للنقابة في مسيرات تنظمها أحزاب سياسية “متناحرة من أجل السلطة”، معتبرا أن ذلك لا يليق بحياد العمل النقابي والإعلامي.
يشار إلى أن المرسوم رقم 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المرتبطة بأنظمة المعلومات والاتصال لا يزال مثار جدل، حيث تطالب منظمات حقوقية وصحفية بتعديله أو إلغائه، خاصة المادة 24 التي تنص على عقوبات بالسجن والغرامة لمن ينشر أخبارا كاذبة، بينما يعتبره مؤيدوه ضروريا لحماية المجتمع من الشائعات والجرائم الإلكترونية. ولم تصدر السلطات التونسية موقفا رسميا بشأن التحركات الأخيرة، بينما يؤكد الرئيس قيس سعيد أن الملاحقات القضائية لا تتم على خلفية الآراء والمواقف، بل تتعلق بمخالفات قانونية.





