الرئيسيةعربي و عالميجدل حول المجلس الأعلى للتربية والتعليم...
عربي و عالمي

جدل حول المجلس الأعلى للتربية والتعليم في تونس: إصلاح أم مجرد استشارة؟

24/08/2026 10:27

أثار الإعلان عن تركيبة المجلس الأعلى للتربية والتعليم في تونس مؤخرًا نقاشًا واسعًا بين أكاديميين ونقابيين وسياسيين بعد نشر الأسماء في الجريدة الرسمية.

تشكيل المجلس وأهدافه

يُعتبر المجلس الأعلى للتربية والتعليم مشروعًا استراتيجيًا قديمًا أعيد إحياؤه وتفعيله قانونيًا ودستوريًا بهدف إنقاذ المنظومة التعليمية. وتعود تجارب تونس مع مجالس تعليمية إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي عندما تأسس “المجلس الأعلى للتربية والثقافة” الذي ظل استشاريًا صوريًا يجتمع بشكل متقطع دون صلاحيات فعلية وهيمنت عليه السلطة التنفيذية بالكامل.

بعد ثورة 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، طالبت النقابات التعليمية ومكونات المجتمع المدني مرارًا بإنشاء هيئة مستقلة تدير الشأن التربوي بعيدًا عن التجاذبات السياسية والتغييرات الوزارية المتكررة (حيث تعاقب على وزارة التربية أكثر من 12 وزيرًا في عقد واحد)، لكن هذه المحاولات تعطلت بسبب عدم الاستقرار السياسي.

في عام 2022 أدرج الرئيس الحالي قيس سعيّد المجلس في الدستور التونسي الجديد عبر الفصل 135 الذي نص على إحداث “المجلس الأعلى للتربية والتعليم”. وتوج هذا المسار بصدور القانون الأساسي المنظم له في أواخر عام 2025، ثم الإعلان عن تركيبته وتعيين أعضائه في أغسطس/آب 2026.

آراء النقابيين والأكاديميين

وفقًا للأمر عدد 203 لسنة 2026، تضم التشكيلة الأساسية للمجلس التيجاني القماطي، ويوسف بن عثمان، وشيراز السطنبولي، وريم العريبي، وكمال الهنيد، ومحمد الحبيب العلاني، ومحمد سيف الله بن عبد الرزاق. كما نص الأمر عدد 204 لسنة 2026 على تعيين وزير التربية الأسبق محمد علي البوغديري كاتبا (أمينا) عاما للمجلس.

ويقول الأكاديمي المختص في علوم التربية مصدق الجليدي إن تركيبة المجلس “تشمل 7 كفاءات تمثل وزارات التربية، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتشغيل والتكوين المهني، والشؤون الدينية، والشؤون الثقافية، والأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، والشباب والرياضة”. ويضيف أن المجلس “سيضم كذلك هيئة خبراء تتكون من 14 عضوا، وهيئة تقييم تضم 9 أعضاء، إلى جانب رئيسيهما وممثل عن النقابة الأكثر تمثيلا في القطاع عند مناقشة الملفات المرتبطة بالحق النقابي”.

ويوضح الجليدي أن استكمال تركيبة المجلس لا يعني بالضرورة أن أزمة التعليم في تونس باتت في طريقها إلى الحل، موضحا أن معالجة الأزمة “لا ترتبط فقط بانطلاق أعمال الهيئة”. ويضيف أن وظيفة المجلس “استشارية بالأساس”، إذ يبدي رأيه في الخطط والسياسات التي تعرض عليه من الوزارات المعنية أو الحكومة أو رئاسة الجمهورية، كما يمكنه اقتراح حلول وخطط للإصلاح والتطوير. ويشير إلى أن المجلس “يرفع تقريرا سنويا إلى رئاسة الجمهورية التي تنظر فيه وتحيل نسخة منه إلى البرلمان”، معتبرا أن ذلك “يجعله هيئة استشارية وليست تقريرية”. ويذكر أن مخرجات المجلس “ستخضع في نهاية المطاف للتقييم قبل أن تتحول إلى قوانين نافذة بعد المصادقة عليها من الجهات التشريعية”، ما يثير تساؤلات بشأن مدى تأثيره الفعلي في إصلاح المنظومة التعليمية.

ويشير الجليدي إلى أن “أداء مؤسسات الدولة في ظل دستور 2022 وطبيعة نظام الحكم الحالي يدفع إلى التعامل بحذر مع مآلات عمل المجلس”، مضيفا أنه “لا يمكن الجزم بأنه سيكون الضمانة المؤسسية لحل أزمات التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي”.

من جهته، يقول محمد الصافي، السكرتير العام للجامعة العامة للتعليم الثانوي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، إن المجلس الأعلى للتربية “كان مطلبا لمختلف الأطراف المرتبطة بالشأن التربوي، بينها الطرف الاجتماعي لأسلاك التربية”. ويضيف أن النقابة “تختلف مع التركيبة الحالية للمجلس، خاصة مع تداول 7 وزارات رئاسته كل 6 أشهر”، معتبرا أن ذلك “لا يحقق النجاعة المطلوبة”. ويوضح أن المجلس “لا يملك سلطة تقريرية على وزارة التربية، وأن دوره يقتصر على تقديم الاستشارات”، لكنه أشار إلى أن “وجود لجنتي الخبراء والتقييم قد يفتح المجال لمناقشة ملفات إصلاح المنظومة التربوية”. وينتقد الصافي محدودية تمثيل النقابات، قائلا إن نقابة التعليم الثانوي “ستكون ممثلة بعضو فقط يُدعى للتشاور، بينما لا تمثيل لبقية الجهات”. ويشدّ على “ضرورة أن يكون المجلس بمنأى عن السلطة التنفيذية والتجاذبات، وأن تكون قراراته مرتبطة بالشأن التربوي وفق ما يحدده الخبراء وهيئات التقييم”.

وجهات نظر سياسية

في المقابل، يرى محمود بن مبروك، الأمين العام لحزب “المسار” المساند للرئيس سعيّد، أن إنشاء المجلس “يأتي ضمن إصلاحات تهدف إلى إعادة الثقة في المؤسسة التربوية العمومية”. ويقول بن مبروك إن قطاع التعليم “يواجه أزمة إلى جانب قطاعي الصحة والنقل”، مضيفا أن المجلس الأعلى للتربية “سيكون له دور مختلف عن عمل وزارة التربية”. ويضيف أن المجلس “سينظر في قضايا من بينها البنية التحتية للمدارس، ووضع مخططات عامة للتربية بهدف إعادة الثقة في المؤسسة العمومية والشهادات العلمية”. ويعتبر بن مبروك أن إنشاء المجلس “يمثل وفاء بالتعهدات الدستورية للرئيس قيس سعيّد”، مؤكدا أن الهدف منه دعم إصلاحات في قطاع التعليم.

ويشير إلى أن التعليم التونسي قبل تأسيس المجلس كان مشتتا بين ثلاث وزارات تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى (وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة التكوين المهني والتشغيل)، ويتمثل دور المجلس في ربط هذه الوزارات معا لخلق مسار تعليمي متكامل يبدأ من التحضيري وحتى الدكتوراه أو سوق الشغل.