الرئيسيةعربي و عالميقانون الموت المساعد في فرنسا يعيد...
عربي و عالمي

قانون الموت المساعد في فرنسا يعيد طرح قصة مارك إلى الواجهة

25/08/2026 23:02

مع دخول قانون المساعدة على الموت حيز التنفيذ في فرنسا، عادت إلى الأضواء قصة مارك، مدرس الرياضيات المتقاعد الذي يقترب من ثمانين عاماً، والذي يرى في التشريع الجديد وسيلة للحفاظ على السيطرة على أيامه الأخيرة.

مارك، الذي طلب عدم نشر اسمه كاملاً، لا يخطط للموت حالياً. فقد سبق أن صرح لصحيفة لوموند بأنه عاش حياة مليئة بالرضا، أحب خلالها مهنته، وراقب ابنتيه وهما تنشآن إلى جانب زوجته. لكن معاناته من مرضين خطيرين جعلت مسألة كيفية موته حاضرة في ذهنه يومياً.

مارك ومرضاه

يعاني مارك من سرطان الرئة في المرحلة الثالثة، إضافة إلى اضطراب مزمن في نظم القلب. ورغم أن السرطان مستقر ويستجيب للعلاج، إلا أن الورم غير قابل للاستئصال جراحياً، مما يجعله يخشى أن ينتشر إلى العظام في المستقبل، مسبباً آلاماً شديدة.

وقال مارك في شهادته: “لقد عشت حياة جيدة جداً”، متسائلاً: “ما الذي يمكن أن أتمناه أكثر من أفضل موت ممكن؟”.

تفاصيل القانون الجديد

اكتسبت مخاوف مارك بعداً جديداً بعد أن بدأ قانون المساعدة على الموت في فرنسا العمل به في 20 أغسطس 2026، بعد إقراره نهائياً من البرلمان، ومراجعته دستورياً، ونشره في الجريدة الرسمية.

يسمح القانون للمواطن الفرنسي البالغ أو المقيم بصورة قانونية ومستقرة في البلاد بطلب المساعدة على الموت، شريطة أن يكون مصاباً بمرض خطير غير قابل للشفاء ويهدد حياته، وأن يكون المرض في مرحلة متقدمة أو نهائية.

كما يشترط أن يعاني المريض من ألم لا يستجيب للعلاج، أو يراه غير محتمل إذا اختار عدم تلقي العلاج أو إيقافه، وأن يكون قادراً على التعبير عن إرادة حرة ومستنيرة. ولا تكفي المعاناة النفسية وحدها للحصول على الموافقة.

يقدم المريض طلبه إلى طبيب يقيّم حالته بعد التشاور مع طبيب مختص ومهني صحي آخر على الأقل. ويجب على الطبيب اتخاذ القرار خلال 15 يوماً كحد أقصى، ثم ينتظر المريض يومين على الأقل قبل تأكيد رغبته.

يتولى المريض تناول المادة القاتلة بنفسه، إلا إذا كان غير قادر جسدياً، فيمكن لطبيب أو ممرض إعطاؤها له.

رغم أن القانون دخل حيز التنفيذ، لا تزال بعض الجوانب العملية بحاجة إلى ترتيبات وقرارات تحدد كيفية تحضير المواد المستخدمة ونقلها وتسليمها، إضافة إلى آليات تعويض العاملين الصحيين والإشراف على الإجراءات.

الخوف من فقدان القدرة على الاختيار

لا يقتصر قلق مارك على السرطان فقط، بل يتعلق أيضاً بإمكانية فقدان قدرته على التعبير عن إرادته قبل أن يتمكن من الاستفادة من القانون.

فقد تعرض خلال عامي 2023 و2024 لنوبات إقفارية عابرة، تعرف بـ”الجلطات الدماغية المصغرة”. ويخشى من أن تؤدي نوبة جديدة إلى إضعاف قدراته الإدراكية أو حرمانه من القدرة على الكلام.

وقال مارك لـلوموند إن القانون يتطلب أن يكون المريض قادراً على التعبير عن إرادته بحرية ووعي، متسائلاً عن مصير طلبه إذا انتظر حتى يفقد القدرة على إيصال صوته.

كما تساءل عن سبب عدم كفاية تكرار طلبه وتوجيهاته الطبية المسبقة إذا لم يعد قادراً على تأكيد قراره. ويرى في ذلك ثغرة بالنسبة للمرضى الذين قد يفقدون أهليتهم للتعبير قبل وصول أمراضهم إلى المرحلة المطلوبة قانوناً.

بلجيكا بوصفها خطة بديلة

قبل اكتمال التشريع الفرنسي، بدأ مارك في اتخاذ ترتيبات في بلجيكا، بناءً على نصيحة من جمعية تدافع عن حرية اختيار نهاية الحياة. والتقى طبيباً بلجيكياً، لكنه لم يحدد موعداً لتنفيذ الإجراء.

تسمح بلجيكا بالقتل الرحيم منذ عام 2002 ضمن ضوابط قانونية وطبية تختلف عن النموذج الفرنسي. وفي الإجراء البلجيكي، يتولى الطبيب عادةً إعطاء المادة القاتلة، بينما في فرنسا يقوم المريض بتناولها بنفسه، إلا إذا كان عاجزاً جسدياً.

يفضل مارك، إذا أصبحت الإجراءات متاحة في الوقت المناسب، إنهاء حياته في منزله بفرنسا، داخل غرفته وأمام حديقة العائلة، بدلاً من الاضطرار إلى السفر وهو في مرحلة متقدمة من المرض.

لكن خيار بلجيكا لا يزال قائماً لديه، ليس لأنه حسم موعد موته، بل لأنه يخشى أن يفقد القدرة على السفر أو اتخاذ القرار قبل اكتمال تطبيق القانون الفرنسي عملياً.

خيار شخصي لا يريد فرضه

لا يقدم مارك موقفه باعتباره نموذجاً ينبغي تطبيقه على الجميع. فهو يدرك حساسية القضية والانقسام الأخلاقي والديني والطبي المحيط بها، ويتمسك بأن ما يطلبه يتعلق بحياته وحده.

وقال في شهادته: “موتي وخياري يجب ألا يعنيَا أحداً سواي”، مضيفاً في الوقت نفسه أنه يتفهم ضرورة وضع قانون يطبق على الجميع ويحمي المرضى من الضغوط أو القرارات غير الواعية.

وبين قانون دخل حيز التنفيذ، وآليات عملية لم تكتمل بعد، وخطة احتياطية أعدها في بلجيكا، لا ينتظر مارك موعداً للموت بقدر ما ينتظر ضمان قدرته على الاختيار، إذا أصبحت المعاناة يوماً أكبر من قدرته على الاحتمال.