توسع نفوذ الإخوان في مؤسسات كندا والولايات المتحدة يثير جدلاً أمنياً

شبكات الإخوان والمؤسسات الكندية
على مدار عقود، لم يقتصر وجود جماعة الإخوان في أميركا الشمالية على إعلان تنظيم مركزي، بل تمثل في إنشاء شبكة من الجمعيات والمراكز الدينية والتعليمية والخيرية التي وسّعت تأثيرها داخل المجتمع المدني. وفي كندا، عادت السلطات إلى فحص هذه الشبكات بنظرة أكثر حساسية خلال الفترة الأخيرة، مع تقارير تشير إلى وجود ارتباطات بين بعض مؤسسات المجتمع المدني والتنظيم.
تكتسب هذه التطورات أهمية إضافية لأنها تتزامن مع shift في السياسة الأميركية، حيث انتقلت واشنطن من سنوات طويلة من معالجة تمويل الإرهاب المرتبط بشبكات الإخوان إلى خطوات مباشرة ضد فروع محددة من الجماعة في الشرق الأوسط، وتصنيفها كإرهابية.
تحقيقات واتّهامات مالية
في قلب الجدل الكندي تقف “جمعية المسلمين في كندا” التي تأسست عام 1997 وتعد واحدة من أكبر المؤسسات الدينية والمجتمعية في البلاد، مع مساجد وبرامج تعليمية في عدة مدن. تصف الجمعية نفسها بأنها كندية وتسعى لخدمة المسلمين والمشاركة في المجتمع.
ومع ذلك، يقدم كتاب صدر عن برنامج مكافحة التطرف في جامعة جورج واشنطن رواية مختلفة تستند إلى تحقيق أجرته وكالة الإيرادات الكندية (CRA). وفقًا للكتاب الذي اطلع عليه موقع “سكاي نيوز عربية”، بدأت الوكالة في ديسمبر 2015 عملية تدقيق شملت أكثر من مليون معاملة مالية وأكثر من 400 ألف رسالة بريد إلكتروني، بالإضافة إلى مقابلات ووثائق أخرى.
ركز التحقيق ليس فقط على الجوانب المحاسبية والضريبية، بل أيضًا على الاشتباه بوجود “أغراض غير معلنة وغير خيرية” تهدف إلى دعم وتعزيز جماعة الإخوان. استندت الوكالة إلى ثلاث مؤشرات رئيسية: وجود قادة للجمعية على الأراضي الكندية ممن شاركوا في أنشطة مرتبطة بالإخوان في الشرق الأوسط، وتولي بعضهم مناصب قيادية، ووجود شخصيات قيادية في الجمعية ضمن منظمات كندية مؤيدة للإخوان، إضافة إلى أدلة تشير إلى إمكانية انتقال أعضاء بين الجمعية وتنظيمات إخوانية في دول المنطقة.
الأكثر دلالة في التحقيق كان ما كشف عن اتصالات بين قادة الجمعية وشخصيات بارزة في الإخوان بالشرق الأوسط، وآلية انتقال العضوية بين كيانات كندية وأخرى مرتبطة بالإخوان في المنطقة. رأى لورينزو فيدينو، مدير برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن، أن هذه الوقائع قد تدل على مستوى تنسيق يتجاوز مجرد التشابه الفكري.
خلصت وكالة الإيرادات الكندية إلى أن “التدقيق أظهر أن المنظمة تبدو وكأنها تنفذ وتدعم أنشطة تعزز تقدم تنظيم جماعة الإخوان”، مما يعني أن الجمعية لم تقتصر على أغراض خيرية purely، وبالتالي قد تكون هناك أسباب تستدعي إلغاء الصفة الخيرية لها.
تأثير سياسي ومستقبل المراقبة
لم يعد النقاش في كندا يقتصر على جمعية واحدة؛ فقد أصدر معهد دراسة معاداة السامية والسياسة العالمية تقريراً يقرب من 200 صفحة رأى فيه أن النشاط المتصل بشبكات الإخوان يجب فهمه كجزء من استراتيجية أوسع تشمل بناء النفوذ المؤسسي، والتعبئة السياسية، والتأثير في الخطاب العام، والاستفادة من المؤسسات المدنية والتعليمية.
أشار التقرير إلى أن عدداً من قادة جمعية المسلمين في كندا مرتبطين بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالجماعة، وأن هذه العلاقات قد تؤثر على أنشطة المؤسسة وتوجهاتها. كما لُوحظ وجود روابط بين جماعات متحالفة مع الإخوان ومؤسسات ديمقراطية كندية ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات تعليم عالٍ، مع إشارة إلى تأثير سياسي وانتخابي متنام.
في هذا السياق، حذرت الخبيرة الأميركية إيرينا تسوكرمان من التقليل من شأن الحضور المؤسسي للإخوان في كندا، موضحة أن استراتيجية الجماعة في الغرب اعتمدت على بناء المؤسسات أكثر من الاعتماد على العنف، من خلال إنشاء مساجد ومدارس وجمعيات خيرية ومنظمات Youth واتحادات طلابية وشبكات مهنية ومنظمات مناصرة، ما يسمح لها بالتأثير في الحياة الدينية والمجتمعية والسياسية على أجيال.
أضافت أن “الجمعية الإسلامية الكندية” تمثل أبرز مثال على هذا الحضور، بعدما نجحت في بناء شبكة واسعة من المؤسسات والبرامج التعليمية والشبابية والمجتمعية، وأهمية هذه المؤسسات لا تكمن فقط في عدد أعضائها بل في قدرتها على shaping future leaders.
وأوضحت أن نفوذ الإخوان في كندا لا يعتمد على السيطرة المباشرة على المؤسسات، بل على “تأثير الشبكة” حيث تتداخل العلاقات بين المنظمات والقادة والناشطين، وتتبادل المؤسسات الأفكار والموارد والعلاقات، مما يؤدي إلى نشوء منظومة متكاملة يصعب اختزالها في هيكل هرمي تقليدي. وأكدت أن هذا النفوز يكتسب أهمية خاصة على المستوى السياسي، إذ ساهمت هذه الشبكات في إنشاء بنية للمناصرة قادرة على التواصل المباشر مع السياسيين والمسؤولين الحكوميين والإعلام والجامعات، والتأثير في النقاشات المتعلقة بالإسلاموفوبيا والهجرة والتكيفات الدينية وجرائم الكراهية والأمن القومي.
كما شددت على ضرورة إخضاع مصادر تمويل المنظمات وعلاقاتها الدولية للتدقيق، نظراً للطبيعة العابرة للحدود للجماعة، مشيرة إلى أن الإخوان حققت هدفاً أكثر واقعية واستدامة يتمثل في ترسيخ أفكارها داخل أجزاء مهمة من الحياة المؤسسية للمسلمين في كندا.
من جانبه، ذكر توم حرب، مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، أن الجماعة بدأت توسعها في كندا والولايات المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي، مستفيدة من إنشاء دول عربية آنذاك لمراكز ومعاهد دراسات الشرق أوسطية والإسلامية في الجامعات الغربية، ما سمح لبعض الأكاديميين المرتبطين بالإخوان بالتغلغل تدريجياً داخل هذه المراكز والمؤسسات الأكاديمية.
أضاف أن هؤلاء تحوّلوا لاحقاً إلى مستشارين في الشؤون السياسية والإسلامية والعالم العربي، مستفيدين من خبراتهم الأكاديمية والسياسية، ما مكّنهم من فهم آليات التأثير في مؤسسات الدولة والمجتمعات الغربية. ولفت إلى أن الإخوان حرصوا في الولايات المتحدة وكندا على عدم إظهار الجانب السياسي لمشروعهم بوضوح، بل ركزوا على تقديم أنفسهم من خلال الأطر الدينية والمجتمعية والتعليمية.
وأشار إلى أن الجماعة عملت على تنسيق أنشطتها داخل المساجد والمعاهد والمراكز المختلفة، وتوجيه الطلاب المسلمين نحو الالتحاق بمؤسسات حكومية حساسة مثل أجهزة الشرطة، بهدف ضمان وجود أشخاص يتبنون معتقداتها داخل هذه المؤسسات، وليس فقط تمثيل المسلمين بل محاولة التأثير في طبيعة السياسات والممارسات داخلها.
وبخصوص التمويل، أوضح حرب أن جانباً كبيراً من أموال هذه الشبكات جاء تاريخياً من دول أخرى، خصوصاً منذ ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وساهم ذلك في بناء مصادر دخل مستقرة للجماعة ومؤسساتها في الولايات المتحدة وكندا، مؤكداً على ضرورة تجفيف منابع هذا التمويل.
وأخيراً، بيّن إحسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة موراي ستيت، أنه لا يوجد تنظيم رسمي باسم الإخوان في كندا، لكن هناك أفراد مرتبطون بالفكر التنظيمي، نشطون على مدار العقود، وشاركوا في إنشاء مؤسسات ومراكز دينية. وأوضح أن المشكلة تكمن في أن الدستور الكندي والأميركي يضمنان حرية الدين، ولا يُعاقب على الانتماء الفكري، بينما عمل تنظيم الإخوان بشكل لامركزي، ما يجعل من الصعب تحديد مركزية واضحة رغم تأثير الأفراد على بناء المؤسسات والجمعيات على مر السنين.





