فاجعة بن قردان: اقتصاد مأزوم وهجرة مميتة

السياق الاقتصادي والاجتماعي في بن قردان
يعيش سكان بن قردان على هامش نشاط تجاري غير مستقر عند المعبر مع ليبيا، حيث كانت التجارة الموازية تمثل مصدر رزق أساسي للكثير من الأسر. بعد تدهور الوضع في ليبيا وإقامة تونس ساتر ترابي منع التهريب، انهار هذا المصدر المالي وبدأ الشباب يشعرون بفقدان الأمل. يوضح رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير أن أول سبب للهجرة غير النظامية هو فرض الاتحاد الأوروبي للتأشيرة على التونسيين منذ عام 1983، ما جعل الدخول إلى منطقة شنغن صعباً للغاية. ويضيف أن الضائقة المالية التي يعيشها المواطنون نتيجة اعتمادهم على المعبر والتجارة البينية استمرت لعامين على الأقل، وأن عدم التزام السلطات التونسية والليبية بالاتفاقيات المشتركة يزيد من معاناة الأهالي.
من جهته، الباحث في قضايا الهجرة رمضان بن عمر يؤكد أن الصورة النمطية لشباب بن قردان كمرفهين ماليا تغيرت بعد تدهور الوضع الليبي وقرار الساتر الترابي الذي قضى على نموذج اقتصادي محلي كان يعتمد على التهريب. يرى أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية تزداد عمقاً، وأن الأمل لدى الشباب بات معدوماً، مما يدفعهم إلى اعتبار خطر البقاء في تونس أكبر من خطر البحر. ويشير إلى أن الحلم بالهجرة لا يرتبط فقط بالظروف المادية، بل أيضاً بالحاجة إلى اعتراف بالمواطنة الكاملة والقدرة على الحلم بمستقبل أفضل داخل الوطن.
حادث غرق القارب وتفاصيله
في فجر 19 أغسطس/ آب الجاري، انطلق قارب متهالك من سواحل بن قردان يحمل أربعة عشر شاباً من المدينة وشاباً من جرجيس، متجهين نحو إيطاليا. بعد وقت قصير من الإقلاع، واجه القارب أمواجاً عاتية فغرق، مما أسفر عن وفاة اثني عشر شخصاً بينما نجا ثلاثة آخرين. لم تصدر أي تعقيب من الحكومة التونسية أو الرئاسة حول الحادث، بينما أعلنت الإدارة العامة للحرس الوطني في بيان يوم الاثنين أن عمليات البحث ستستمر حتى العثور على جثث المفقودين.
يؤكد الأهالي أن تراجع النشاط التجاري عند المعبر وتضييق الخناق على التجارة الموازية (تهريب الوقود والسلع) زاد من الضغوط الاقتصادية، ودفع العديد من الشباب إلى اللجوء إلى طرق هجرة محفوفة بالمخاطر بحثاً عن حياة أفضل في أوروبا.
المقترحات والردود الرسمية والشعبية
طالب النائب عن بن قردان علي زغدود بوضع خطة واضحة وعاجلة للتنمية في المدينة، مع توفير مؤسسات ومصانع وبنية تحتية قادرة على خلق فرص عمل. وانتقد ما وصفه بغياب الدولة عن المناطق الحدودية، مشيراً إلى نقص الشركات والاستثمارات الكبيرة التي يمكنها استيعاب اليد العاملة.
من جانبها، تؤكد السلطات التونسية أنها تبذل كل الجهود الممكنة لتحقيق التنمية في جميع الجهات رغم الظروف الدولية الصعبة التي تؤثر سلباً على الدول النامية.
فيما يتعلق بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي، دعا الرئيس التونسي قيس سعيد خلال اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في 23 مارس/ آذار الماضي إلى إعادة النظر في الاتفاقية الشاملة بين تونس والاتحاد الأوروبي، معتبراً إياها غير متكافئة وموجهة بشكل مفرط نحو ملف الهجرة، وشدد على ضرورة أن تصبح أكثر توازناً وعدلاً.
ويشير المرصد التونسي لحقوق الإنسان إلى أن تونس تربطها اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي تقدم بعض الحوافز المالية، لكنه يرى أنها غير كافية لمواجهة التحديات. يضيف عبد الكبير أن الدولة ملزمة بالبحث عن حلول مع دول الاتحاد الأوروبي لتخفيف الضغوط الناجمة عن ملف الهجرة وما يترتب عليها من أعباء على البلاد.
ويذكر أن الاتحاد الأوروبي تعهد في عام 2023 بتقديم أكثر من مليار يورو لدعم اقتصاد تونس وإدارة الحدود، بهدف الحد من الهجرة غير النظامية القادمة من شمال إفريقيا.
أخيراً، يرى الباحث رمضان بن عمر أن المقاربة الوحيدة التي تتبناها الدولة في مجال الهجرة غير النظامية هي مقاربة أمنية، وأن إغلاق الحدود دون توفير بدائل اقتصادية واجتماعية يشبه صب الزيت على النار، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى احتجاجات عنيفة أو موجات هجرة مكثفة لا يمكن السيطرة عليها.





