رحيل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بعد مسيرة من الدفاع عن الشرعية

الخلفية والثورة
بعد أن اندلعت الثورة في وجه نظام علي عبد الله صالح في اليمن عام 2011، عاشت البلاد حالة من الشد والجذب والانفلات الأمني والسياسي، حيث عارضت أطراف يمنية موالية لنظام صالح الذي حكم أكثر من ثلاثين سنة مطالب الشارع بالتغيير خوفاً من فقدان نفوذها ومكاسبها. خلال حكم صالح الذي استمر 33 عاماً، برع في اللعب على عوامل القبيلة والترهيب من فكرة أن أحداً غيره لا يستطيع حكم اليمن، ووصف ذات يوم حكم البلاد بأنه يشبه “الرقص على رؤوس الثعابين”، في إشارة إلى التناقضات السياسية التي زادتها حكومته. كما لجأ صالح إلى استخدام جماعة الحوثي كفزاعة، وهي جماعة تأسست عام 1992 على يد بدر الدين الحوثي وتحولت إلى كيان سياسي خلال 1997، ثم تبنت فكرياً أواخر 2001 إحياء العقيدة الزيدية الرافضة للوجود الغربي، مستخدمة شعارات مناهضة لأمريكا وإسرائيل.
مواجهة الحوثي والانقلاب
رغم تلك التفاصيل، استطاع الشارع اليمني فرض إرادته على نظام صالح، وسجلت دول الخليج موقفاً لها وقدمت ما عرف بالمبادرة الخليجية التي رسمت منهجية سياسية جديدة لليمن ونحت جانباً نظام صالح. برز آنذاك اسم عبد ربه منصور هادي، الذي شغل منصب نائب رئيس الجمهورية من 1994 حتى 2011، وقبل ذلك كان نائباً لرئيس حزب المؤتمر الشعبي العام وأمينه العام، وتدرج في المناصب العسكرية من نائب رئيس الأركان العامة إلى وزير دفاع، ما kształت شخصيته القيادية وحازت قبولا محلياً وإقليمياً ودولياً. وقاد هادي مواجهة انقلاب جماعة أنصار الله (الحوثي) على الدولة وسيطرتها على مفاصل الحكم في 2014، فاختار البقاء في صف الجمهورية دون اعتبار للتكلفة السياسية. بعد تنفيذ الجماعة لانقلابها، طلب هادي رسمياً من دول الخليج العربي بقيادة السعودية تشكيل تحالف عسكري عاجل في مارس 2015 لحماية اليمن وشعبه من انقلاب الحوثيين المدعوم من إيران، بعد وصول المليشيا إلى عدن التي كان يقيم فيها جبرياً وتهديدها بإسقاط الدولة بالكامل، مؤكداً أن طلبه لم يكن بحثاً عن حرب بل محاولة لإنقاذ اليمن من سقوط كامل في مستنقع مشروع طائفي مسلح بعد فشل جميع المبادرات السياسية في إيقاف الانقلاب.
التخلي عن السلطة ومجلس القيادة
برؤية عميقة لتسليمه السلطة في 2022، أدرك هادي أن قراره لم يكن هروباً من المسؤولية بل انحيازاً للوطن، إذ رأى أن الدولة والكيان الجامع للجميع أكبر من أي منصب، وأن التضحية الحقيقية تكمن في استعادتها لا في معارك على الكراسي. لم يبتعد بانقلاب أو صفقة تحقق مكاسب شخصية، بل اختار انتقالاً سياسياً معلناً وتوافقاً رعته وأسسته مشاورات الرياض، ووضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار شخصي. وقد تأكد ذلك من خلال دعمه لإنشاء مجلس قيادة رئاسي وتفويض صلاحياته له، مستنداً إلى دستور الجمهورية اليمنية ومبادئ وأهداف الثورة اليمنية، والالتزام بالتداول السلمي للسلطة والإشراف على المهام السيادية ومبادرة الخليج وآليتها التنفيذية.
الإرث والرحيل
بعد كل ذلك، يبقى أثر الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي صعدت روحه إلى بارئها أمس في الرياض، ونعاه الديوان الملكي السعودي، وقدم التعازي للشعب اليمني برحيله، شاهداً على مواقفه القيادية؛ كشخص خاض معركة الدفاع عن الشرعية والجمهورية والوحدة بكل تفان، ثم سلم السلطة بقناعة كاملة إيماناً منه بأن الوطن أكبر من الأفراد، وأن اليمن يستحق فرصة جديدة للخلاص والاستقرار.





