الرئيسية›محليات›بلو يدعو لتأهيل قيادات مراكز الإعاقة...
محليات

بلو يدعو لتأهيل قيادات مراكز الإعاقة البصرية لتحسين الخدمات وتوعية المجتمع

15/10/2026 21:07

أكد الكاتب والمحرر الأدبي والناشط في مجال الإعاقة البصرية محمد توفيق بن أحمد بلو أن تأهيل القيادات الإدارية والعاملين في مراكز خدمات الإعاقة البصرية وتطوير قدراتهم على فهم احتياجات المستفيدين وإدارة برامج إعادة التأهيل يعد شرطاً أساسياً لرفع كفاءة الخدمات وتعزيز استقلالية المكفوفين وضعاف البصر.

أهمية تأهيل القيادات وتطوير الخدمات

في تصريحه لـ«الاقتصاد» بمناسبة اليوم العالمي للعصا البيضاء الذي يصادف 15 أكتوبر من كل عام، أوضح بلو أن تطوير منظومة خدمات الإعاقة البصرية يتطلب دمج التأهيل المهني مع تحسين البيئة المحيطة، وتطبيق معايير الوصول الشامل في المرافق العامة ووسائل النقل وبيئات العمل، بالإضافة إلى دعم الأبحاث المتخصصة وتوفير إحصاءات دقيقة ومحدثة تساعد على التخطيط وتحديد الأولويات وقياس أثر البرامج.

وأشار إلى أن الاحتفاء بهذا اليوم يعكس تنامي الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية وأهمية تمكينهم من الحركة باستقلالية والمشاركة الفاعلة في المجتمع، معرباً عن أمله في اعتماد المناسبة رسمياً من الجمعية العامة للأمم المتحدة لتعزيز الاهتمام الدولي بحقوق المكفوفين وضعاف البصر.

العصا البيضاء: رمز الاستقلالية والتحديات البيئية

لفت بلو إلى أن الاحتفاء بالعصا البيضاء بدأ في الولايات المتحدة عام 1964 بعد قرار كونغرس بتخصيص 15 أكتوبر لهذا الغرض، ثم انتشرت الممارسة في العديد من الدول.

وبيّن أن العصا البيضاء ليست مجرد أداة لاكتشاف العوائق أثناء المشي، بل وسيلة أساسية لتعزيز استقلالية الكفيف وتمكينه من التنقل والاعتماد على نفسه، كما أنها تُعلم المحيطين بحالته البصرية وتنبههم إلى مراعاة سلامته.

من واقع تجربته الشخصية مع فقدان البصر، أوضح أن امتلاك العصا البيضاء لا يضمن إتقان استخدامها؛ فذلك يتطلب تدريباً متخصصاً على مهارات التوجه والحركة، وتحديد الاتجاهات، واكتشاف العوائق، ومعرفة طبيعة الأرضيات، وعبور الشوارع، واستخدام المرافق العامة ووسائل النقل.

وشدد على ضرورة اختيار العصا المناسبة لطول المستخدم وطبيعة حركته، مع مراعاة خفة وزنها وخصائصها العاكسة للضوء ونوع رأسها وفقاً لاحتياجات الشخص وتوجيهات اختصاصيي التوجه والحركة.

وأكد distinction بين الكفيف وضعيف البصر، مبيناً أن استخدام العصا البيضاء لا يعني بالضرورة انعدام الرؤية تماماً، وأن احتياجات التدريب تختلف بحسب مستوى الإبصار والقدرات الفردية والبيئة المحيطة.

العوائق البيئية تهدد سلامة المكفوفين

أوضح بلو أن أبرز التحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية أثناء التنقل لا ترتبط دائمًا بقدرتهم على استخدام العصا البيضاء، بل بمدى تهيئة البيئة المحيطة وإزالة العوائق التي تهدد سلامتهم.

ذكر أمثلة مثل إشغال الأرصفة بالمركبات، وضع أحواض الزراعة وصناديق الكهرباء في مسارات المشاة، ترك الحفريات دون تأمين، وجود الحواجز عند المداخل والعوائق البارزة على مستوى الرأس، وهي ممارسات قد تشكل مخاطر لا تستطيع العصا البيضاء اكتشاف بعضها كلها.

كشف عن تعرّضه شخصياً لإصابات أثناء ارتياد بعض المساجد نتيجة اصطدامه برفوف المصاحف المعلقة على الأعمدة وبقواعد حديدية لمساند الظهر، ما دفعه إلى تقليل زيارة بعض المساجد حفاظاً على سلامته.

وطالب بلو بتطبيق مبادئ الوصول الشامل من خلال إبقاء الممرات والمداخل خالية من العوائق، وتوفير الأرضيات الإرشادية، والحد من الوهج وتحسين الإضاءة، واستخدام الألوان المتباينة لمساعدة ضعاف البصر وكبار السن، إلى جانب توفير الإرشادات الصوتية واللمسية وتهيئة وسائل النقل ومخارج الطوارئ.

وأكد أن تصميم البيئات الآمنة يجب أن يراعي احتياجات مختلف المستخدمين منذ البداية بدلاً من انتظار وقوع الحوادث ثم البحث عن حلول مؤقتة.

المساعدة تبدأ باحترام الاستقلالية

أبرز بلو أهمية تصحيح المفاهيم المجتمعية المرتبطة باستخدام العصا البيضاء، مشيراً إلى أن وجودها لا يعني عجز صاحبها عن الحركة أو حاجته الدائمة إلى من يقوده، وأن التصرف الصحيح يبدأ بسؤاله عما إذا كان بحاجة إلى المساعدة، ثم احترام قراره.

وبيّن أن عند طلب الكفيف المساعدة أثناء المشي، ينبغي للمرافِق أن يعرض ذراعه ليمسك بها فوق المرفق، وأن يسير أمامه بنحو نصف خطوة، مع تنبيهه مسبقاً إلى الدرج والعوائق وتغيرات مستوى الأرض، وتعريفه بالمعالم المحيطة، خصوصاً العوائق البارزة على مستوى الرأس.

وحذّر من الممارسات الخاطئة مثل إيقاف المركبات فوق الأرصفة، أو وضع البضائع والأحذية والأثاث في مسارات المشاة، أو تغيير مواقع الأشياء دون تنبيه الشخص الكفيف، فضلاً عن استخدام عبارات مكانية مبهمة مثل «هنا» و«هناك» دون تحديد الاتجاه بوضوح.

وأكد أن احترام استقلالية الكفيف يبدأ باحترام قراره وتقديم المساعدة بالطريقة التي يحتاج إليها، لا بالطريقة التي يفرضها الآخرون عليه.

التقنيات المساندة تفتح آفاقًا جديدة

ذكر بلو أن التقنيات المساندة شهدت تطوراً كبيراً أسهم في توسيع فرص المكفوفين وضعاف البصر في التعليم والعمل والحياة اليومية، مستذكراً زيارته لمؤسسة «لايت هاوس» في نيويورك عام 1994 حيث استخدم أجهزة التكبير الإلكتروني والمساعدات البصرية التي مكّنته من استعادة القدرة على قراءة بعض النصوص والكتابة بعد أن اعتقد أن ذلك أصبح مستحيلاً.

وأوضح أن الهواتف الذكية وقارئات الشاشة والتطبيقات الناطقة وتقنيات التعرف على النصوص والأشياء، إلى جانب أنظمة الملاحة والإرشاد الصوتي والذكاء الاصطناعي، أتاحت إمكانات أوسع للوصول إلى المعلومات والتعلم والعمل باستقلالية.

لكنه أكّد أن التقنية، على أهميتها، لا تغني عن التأهيل المتخصص ولا تعالج بمفردها أوجه القصور في البيئة العمرانية؛ فالتطبيقات التي ترشد الكفيف إلى وجهته لا تحميه بالضرورة من الحفر غير المؤمنة أو العوائق المعلقة في مستوى الرأس.

مسؤولية مشتركة للتمكين

شدّد بلو على أن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، التي ينبغي أن تشجع الطفل الكفيف أو ضعيف البصر على اكتساب مهارات الاستقلالية منذ الصغر بدلاً من المبالغة في حمايته بما قد يحد من قدرته على الاعتماد على نفسه.

وأضاف أن المدارس مطالبة بتوفير التعليم الميسر والتقنيات المناسبة والمعلمين المؤهلين، مع مراعاة الفروق بين المكفوفين وضعاف البصر وعدم افتراض تماثل احتياجاتهم التعليمية.

وبيّن أن مسؤولية الجهات الحكومية والقطاع الخاص تشمل تهيئة المرافق ووسائل النقل وبيئات العمل، وتوفير فرص التدريب والتوظيف وفق القدرات والمؤهلات، والالتزام بمعايير الوصول الشامل.

استناداً إلى خبرته في مجال خدمات الإعاقة البصرية وإعادة التأهيل التي شملت أكثر من 13 عاماً في إدارة جمعية إبصار الخيرية، إلى جانب البرامج التدريبية والتأهيلية التي التحق بها في الولايات المتحدة الأمريكية، أكد بلو أن تطوير الخدمات لا يقتصر على تأهيل المستفيدين، بل يشمل أيضاً رفع كفاءة الأطباء واختصاصيي ضعف البصر والتوجه والحركة وإعادة التأهيل.

التأهيل الإداري أساس تطوير الخدمات

دعا بلو إلى إعطاء الأولوية لتدريب وتأهيل القيادات الإدارية والعاملين في مراكز خدمات الإعاقة البصرية على مفاهيم إعادة التأهيل وبرامجه، بما يعزز قدرتهم على فهم احتياجات المستفيدين وتطوير الخدمات المقدمة لهم.

وأوضح أن الخبرة الإدارية وحدها لا تكفي لإدارة مراكز التأهيل بكفاءة ما لم تقترن بمعرفة طبيعة الإعاقة البصرية، والفروق بين فقدان البصر وضعفه، ومبادئ الاستقلالية ومكونات برامج التأهيل، واحتياجات المستفيدين والكوادر المتخصصة.

وأكد أن بناء منظومة متكاملة لخدمات الإعاقة البصرية يتطلب كوادر مؤهلة وبيئة مهيأة ومجتمعاً يدرك حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وإمكاناتهم.

كما دعا إلى دعم الأبحاث والدراسات المتخصصة، وتوفير إحصاءات دقيقة ومحدثة تشمل التوزيع الديموغرافي للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، ومسببات الإعاقة، ومستويات المهارات، والاحتياجات التأهيلية والتعليمية والمهنية، مع مراجعة هذه البيانات دورياً لتكون أساساً علمياً للتخطيط وتطوير الخدمات وتحديد الأولويات وقياس أثر البرامج.

«العصا البيضاء» مسؤولية مجتمعية

في ختام تصريحه، أكد بلو أن الاحتفاء باليوم العالمي للعصا البيضاء ينبغي ألا يقتصر على حملات التوعية، بل أن يتحول إلى التزام عملي بإزالة العوائق وتطوير خدمات التأهيل وتهيئة المساجد والمدارس والمستشفيات والشوارع ووسائل النقل وأماكن العمل.

وقال: «لقد عشت تجربة فقدان البصر وتداعياتها المهنية والاجتماعية، وأدركت أن أكبر العوائق التي تواجه الإنسان ليست دائمًا في قدراته الجسدية أو الحسية، بل قد تكون في البيئة المحيطة به، وفي نظرة المجتمع إلى إمكاناته».

وأضاف أن العصا البيضاء ليست رمزاً للعجز أو دعوة إلى الشفقة، وإنما رمز لحق الإنسان في الحركة والاستقلالية والمشاركة في المجتمع.

واختتم بقوله: «فالعصا البيضاء تساعد الكفيف على اكتشاف الطريق، لكن مسؤولية المجتمع أن يجعل هذا الطريق آمناً ومتاحاً للجميع».