الرئيسيةمحلياتقصة وداع الحاج في جازان: تقاليد...
محليات

قصة وداع الحاج في جازان: تقاليد قديمة بين القوافل والرفقة الصالحة

22/05/2026 01:01

أوضح عريفة قبائل الصبانية وكبير عشيرة الحكامية بمحافظة الدرب، الشيخ علي بن الحسين قاسم، لصحيفة «الوطن» أن موقع الدرب على الساحل جعلها عبر القرون محطة أساسية للحجاج والتجار والقوافل، ومكاناً لتلاقي القبائل وتبادل المصاحبة والجوار، لتصبح بوابة جازان الشمالية نحو عسير ومكة المكرمة.

تحضيرات الحاج القديمة

وأشار قاسم إلى أن الحاج قديماً يشرع في الاستعداد{الرحلة} قبل أشهر من موعد الانطلاق، فيختار ما يسمّى «الرفقة الصالحة» نظراً لصعوبة الطريق، ويجهز المؤن والجمال التي كانت وسيلة النقل الرئيسية آنذاك.

وداع الحاج كحدث اجتماعي

كان وداع الحاج مناسبة اجتماعية مؤثرة يشارك فيها النساء والأطفال، وتُرفع فيها الأهزوجات داخل منزل الحاج، ما يخلّف مزيجاً من الفخر والحزن. ومن أشهر ما تُنشد:

«يوم تحبيل القعادة
كانت أيام السعادة
والجميع في سرور»

و”القعادة” هو كرسي خشبي يُصنع من الدوم وسعف النخل، يُجدد نجار مختص حباله قبل السفر، ويُعد رمزاً لمكانة الحاج؛ فلا يُجلس عليه أحد حتى يعود سالماً.

قوافل الطريق والزاد

يذكر قاسم أن القوافل كانت تنطلق في منتصف شهر شوال لتصل إلى يوم عرفة، وكان الحجاج يحملون معهم السمن، والبر، واللبن المجفف، إلى جانب أكلة «الشمير» المصنوعة من القمح والدخن الممزوجين بالسمن وزيت السمسم. لم تكن الرحلة سهلة؛ فقد واجه الحجاج عورات طرق رملية، ندرة القرى، تقلبات الطقس، أمطاراً مفاجئة، رياحاً عاتية، إلى جانب الأمراض والإرهاق. واستعاد قاسم ذكريات جدته وعدد من أهالي الدرب الذين خاضوا تلك الرحلات بصبر ومشقة.

الأهازيج والعودة بالهدايا

كان الأطفال يودعون الحجاج بأهازيج شعبية متوارثة، منها:

«يا حاج حج مكة
وجب لنا معك صنبراني
يا حاج حج مكة
وجب لنا معاك زعفراني»

وعند عودة الحاج، يحمل معه «الصنبران» وهو مزيج من البخور والعطور، إضافة إلى السبح، الخواتم، والهدايا التي تُوزع على الجيران والأقارب. وتستقبل النساء الحجاج بالحناء والفل والبخور احتفالاً بسلامة وصولهم.

المبشر ودوره قبل القافلة

يؤكد قاسم أن الحج قديماً لم يكن مجرد رحلة دينية، بل منظومة اجتماعية متكاملة تعكس قيم التكافل والصبر والاعتماد على الذات، لذا كان الحاج يحظى بمكانة كبيرة بعد عودته. وكان «المبشر» يسبق القافلة من مشارف القحمة إلى الدرب ليخبر الأهالي بسلامة الحجاج، مردداً: «يا مبشر حث ساقك»، خصوصاً عند عبور المواقع الوعرة التي كانت تشكل خطراً على القوافل في ذلك الزمن.

من القعادة إلى الطائرة

يُظهر قاسم أن اختفاء القوافل البرية ووسائل السفر القديمة لم يُبدد كثيراً من مظاهر الحج التقليدية؛ فالأهازيج والقصص الشعبية لا تزال حاضرة في المجالس والذاكرة الجماعية. ومع تطور المملكة، تحولت رحلة الحج من المشقة إلى الرفاهية عبر الطرق المعبدة، والطيران، وقطار المشاعر، والخدمات الصحية، والسكن المريح، والمشاريع المتطورة التي سخّرتها الدولة لخدمة ضيوف الرحمن. وبين «القعادة» والطائرة، وبين «زاد الشمير» ووجبات الفنادق، يبقى المعنى واحداً لدى أهالي جازان: الحج عبادة عظيمة، والذكريات القديمة تراث يروي تفاصيل زمن صُنع بالصبر والإيمان.