علماء يرصدون بصمة كيميائية لصاروخ سبيس إكس على سطح القمر

أثار حادث اصطدام مرحلة صاروخية مهملة تابعة لشركة سبيس إكس بسطح القمر تساؤلات حول إمكانية تلويثه بمواد أرضية، بعد أن رصد علماء فلك بصمة كيميائية يُعتقد أن أحد عناصرها مصدره الصاروخ نفسه.
اصطدام بالقرب من فوهة أينشتاين
وفقاً لبيانات علماء الفلك، اصطدم الجزء العلوي المستهلك من صاروخ فالكون 9 بالقمر يوم الأربعاء في منطقة قريبة من فوهة أينشتاين الواقعة على الحافة الغربية للقمر، وكانت سرعته لحظة الارتطام نحو 8690 كيلومتراً في الساعة. ولم يتم حتى الآن تسجيل أي صورة مباشرة للحظة التصادم، غير أن التلسكوب الكبير جداً التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي تمكن من رصد سحابة من الغاز والغبار ظهرت في الزمان والمكان المتوقعين، واستمرت بصمتها الطيفية ما بين 5 و10 دقائق، وفقاً لوكالة رويترز.
بصمة كيميائية مثيرة للجدل
أظهر التحليل الأولي للسحابة وجود غازي الصوديوم والليثيوم، ويرجح العلماء أن يكون الصوديوم ناتجاً عن تربة القمر التي قذفها الاصطدام، بينما قد يكون الليثيوم قد تسرب من مكونات الصاروخ. وهذا يعني، من الناحية العلمية المحدودة، أن الصاروخ ترك بصمة بشرية كيميائية ومادية في موقع الاصطدام، بالإضافة إلى الحطام والحفرة التي أحدثها. لكن هذه النتيجة لا تعني أن القمر تعرض للتلوث بالمعنى البيئي المألوف على الأرض، أو أن الحادث تسبب في تسميم سطحه؛ فالليثيوم الذي رصد يمثل دليلاً محتملاً على مادة مصدرها الصاروخ، وليس مؤشراً بحد ذاته على تلوث سام أو واسع الانتشار.
يذكر أن القمر لا يمتلك غلافاً جوياً كثيفاً أو أنهاراً ومياهاً سائلة قادرة على نقل الملوثات لمسافات كبيرة، ولذلك يُتوقع أن تبقى معظم بقايا الصاروخ موزعة داخل منطقة محدودة حول الحفرة، بعد أن يسقط الجزء الأكبر من الغبار المتطاير مجدداً على السطح. وتشير محاكاة علمية أعدها باحثون قبل الاصطدام إلى أن سحابة الغبار يمكن أن ترتفع عشرات الكيلومترات وتمتد أفقياً لنحو 183 كيلومتراً، لكن معظمها يتبع مسارات باليستية قبل أن يعود إلى السطح بفعل جاذبية القمر.
حفرة جديدة وتأثير محدود
الجسم الذي اصطدم بالقمر هو المرحلة الثانية من الصاروخ الذي أطلق في يناير 2025 مركبة الهبوط القمرية بلو غوست التابعة لشركة فايرفلاي إيروسبيس. وبلغت كتلة المرحلة نحو 4 أطنان، أي ما يعادل حجم حافلة مدرسية تقريباً، وبعد تفريغ الوقود المتبقي منها فقدت الشركة القدرة على التحكم بها، قبل أن تدفعها تأثيرات الجاذبية والنشاط الشمسي تدريجياً نحو القمر. وقدرت وكالة ناسا أن الاصطدام أحدث حفرة بعرض نحو 18 متراً وعمق يقارب 3.7 أمتار، وقذف كميات من الصخور والغبار القمري. غير أن الوكالة أوضحت أن القمر يتعرض يومياً لاصطدامات نيزكية، وأن جسماً طبيعياً بطاقة مماثلة لطاقة هذه المرحلة الصاروخية يصطدم به في المتوسط مرة كل 6 أيام، مما يجعل الأثر الجيولوجي للحادث محدوداً مقارنة بتاريخ القمر الطويل.
تحذير من تراكم الحطام القمري
لا يتعلق القلق العلمي الحالي بإلحاق ضرر بالقمر بأكمله، وإنما بتراكم المواد البشرية في مواقع قد تكون ذات قيمة بحثية، خاصة المناطق القطبية المظللة التي تحتوي على رواسب جليدية ومواد متطايرة محفوظة منذ مليارات السنين. وقد يؤدي وصول وقود الصواريخ أو المعادن والمواد العضوية الأرضية إلى تلك المواقع إلى تشويش نتائج البعثات المستقبلية، إذ يصبح من الصعب التمييز بين المواد القمرية الأصلية وتلك التي نقلتها المركبات الفضائية. وتصنف لجنة أبحاث الفضاء كوسبار القمر ضمن الفئة الثانية للحماية الكوكبية، مما يعني أن احتمالات التلوث البيولوجي الضار منخفضة، مع ضرورة توثيق المواد التي تحملها المركبات، وفرض احتياطات أكبر على البعثات المتجهة إلى المناطق القطبية الغنية بالجليد، وفقاً لمكتب السلامة التابع لوكالة ناسا.
ولم يظهر أي دليل على أن الاصطدام نقل كائنات حية قابلة للبقاء إلى القمر. كما أن تعرض المرحلة الصاروخية للفضاء لأكثر من عام، ثم اصطدامها بسرعة عالية، يجعل احتمال حدوث تلوث بيولوجي فعلي ضعيفاً للغاية. وتتمثل الخلاصة العلمية في أن الصاروخ لوّث موقع الاصطدام مادياً وكيميائياً بمعنى إضافة مواد بشرية إلى بيئة قمرية طبيعية، لكنه لم يلوّث القمر على نطاق واسع، ولم يتسبب في كارثة بيئية أو خطر على الأرض. ويبقى الأثر الأهم للحادث تحذيراً من تزايد الحطام الفضائي حول القمر، بالتزامن مع تسارع الرحلات الأميركية والصينية والتجارية، وما يفرضه ذلك من قواعد أكثر صرامة لتتبع المراحل الصاروخية وتحديد مصيرها قبل وصول الإنسان بصورة منتظمة إلى السطح القمري.





