غياب القدوات الحقيقية في زمن الصحافة الجديدة

في عام 2012، التقط هاتف عابر لقطة عفوية لشخص مجهول، وانتشر المقطع كالنار في الهشيم وسط مجتمع لم يألف بعد هذا النوع من المحتوى. لم ندرك حينها أننا نخطو أولى خطوات النزول نحو ما يمكن وصفه بتشكيل الوجدان الجمعي، ذلك المؤشر المقلق الذي يذكرنا بأن الأفكار المتداولة يومياً بين الأفراد هي من ترسم معالم التنمية المجتمعية ومستقبل الأبناء والهوية المتوارثة جيلاً بعد جيل.
صناعة القدوة الزائفة
في الوقت الذي كانت الصحافة الرسمية تقدم الكفاءات الوطنية الملهمة صفحة تلو الأخرى، برفقة نغمة تقليب الورق ورائحة طبعة الصباح التي كانت بوابتنا الأولى إلى العالم، تسلل في غفلة سحب البساط من تحت أقدام الرواد تدريجياً. وُلد مفهوم جديد صنع مسميات الصحافة التقليدية والإعلام الجديد، واستبدل معيار الكفاءة الذي كان محكوماً بالخبرة والتراكم المعرفي بمعيار الأكثر مشاهدة. وهنا تحولت صناعة القدوة، التي حللها علماء الاجتماع كعملية تراكمية بطيئة قائمة على التعب والعلم والتضحية، إلى مسار مختصر يعتمد على الظهور الفردي وحضور اللحظة دون حضور الأثر المثري. منحنا منصاتنا لمن لا يملك سوى الضجيج، وشرعنا قدوات من ورق خالية من العمق الذي تشترطه أي منظومة قيمية إعلامياً، في وقت كانت مناهجنا الدراسية تزدان بقدوات وطنية ملهمة كالأمير سلطان بن سلمان أول رائد فضاء عربي، والراحل غازي القصيبي، وغيرهما من مفكرين وأدباء وعلماء يحفظهم الصغير ويدرك تاريخهم الوطني الكبير، وكيف بنوا أمجادهم بصمت العلم والعمل لا بصخب الشاشات. ليكونوا شاهداً على أن القدوة الحقة لا تُصنع في عشر ثوانٍ في تطبيق هاتف، بل تنحت عبر مسيرة عمر كامل.
أزمة ثقة لا أزمة ذائقة
تشير تقارير هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في وقت سابق إلى أن الفرد يقضي أكثر من نصف يومه على منصات التواصل الاجتماعي. هذا الرقم وحده يكفي لرسم حجم الفجوة بين النموذج والمؤثر. لقد باتت السلبية عملة رائجة تجلب الشهرة والمال، ورسخت ثقافة التسطيح حتى أصبح المجتمع بأسره يعيش أزمة ثقة عميقة، ليس في الأفراد فحسب بل في معايير التقييم نفسها وفي القدرة على التمييز بين من يستحق أن يكون قدوة ومن استعار مساحة لا يملك جدارتها.
نحو استعادة جوهر القدوة
حين سأل أحد أطفالي عن صورة الدكتور غازي القصيبي المعلقة في مكتبي: من هذا؟ بينما عرف أحد مشاهير التطبيقات فوراً وسرد قصص كفاحه المزعومة، أدركت أن المعركة ليست مع شاشات الهواتف وحدها، بل مع الصمت الذي نتركه نحن الآباء حين لا نروي سير أبطالنا الحقيقيين. وقد أثبتت قراءة تجربة فنلندا في التربية الرقمية النقدية، بحسب المجلس الفنلندي للإعلام لعام 2021، أن بناء وعي النشء أجدى من منع المحتوى وحده. فلنبدأ من البيت، بسرد سيرة الوطنيين الملهمين، قبل أن يسبقنا الضجيج إلى قناعات الجيل القادم ويسرق منهم فرصة أن يكبروا وهم يحلمون بالإنجاز لا بالانتشار. الناجح ليس من الضروري أن يكون مشهوراً. علموا أطفالكم: الشهرة لا تعني النجاح.





