الرئيسيةعربي و عالميحرفي بحلبي يكافح لإنقاذ فن الزخرفة...
عربي و عالمي

حرفي بحلبي يكافح لإنقاذ فن الزخرفة النافرة من الاندثار بعد 14 قرناً من العطاء

02/08/2026 08:15

في قلب أسواق حلب التاريخية، يكرس الحرفي السوري أيمن سعيد وقته أمام ألواح الخشب، محولاً إياها إلى زخارف شرقية وخطوط عربية تتناقلها الأجيال، في مسعى للحفاظ على فن يعود جذوره إلى نحو 1400 عام من الزوال.

حرفة تمتد ثلاثة عقود

يمارس سعيد هذه المهنة منذ ثلاثين عاماً، ولا يقتصر دوره على صونها، بل يسعى لنقلها إلى ابنه، مؤمناً بأن بقاءها رهن بتوارثها من قبل جيل جديد يحمل ذاكرة هذا الإرث الفني. ويستخدم الحرفي السوري الرسم والنقش على الخشب لإنتاج لوحات وزخارف بارزة تستلهم التراث العربي والإسلامي، في وقت تناقص فيه عدد العاملين بهذه الحرفة، مما جعلها ضمن المهن التقليدية المهددة بالاندثار.

فن العجمي.. بصمة معمارية خالدة

شكل فن الزخرفة العربية النافرة، المعروف أيضاً بـ”الرسم العجمي”، على مر العصور أحد أبرز عناصر العمارة والزخرفة في المنطقة، حيث استُخدم في تزيين أسقف وجدران المساجد والكنائس والقصور، لما يتميز به من دقة تنفيذ وقيمة جمالية. ولا تزال نماذج من هذا الفن حاضرة في معالم تاريخية، منها قاعة العرش في قلعة حلب والمسجد الأقصى في القدس، حيث تشكل الزخارف الخشبية جزءاً من التراث الفني والمعماري للمنطقة. ومع تغير أنماط البناء والديكور، تراجع استخدام هذا الفن في المنشآت الكبيرة، لكنه وجد مساحة جديدة في صناعة الصناديق التذكارية واللوحات الفنية والقطع الخشبية الصغيرة التي يقبل عليها هواة الأعمال اليدوية.

من الطفولة إلى الأبوة.. نقل الإرث

وقال سعيد (42 عاماً)، وهو أب لثلاثة أطفال، للأناضول، إنه تعلم المهنة في الثانية عشرة من عمره، ويحرص اليوم على تعليمها لابنه لضمان استمرار هذا التراث الثقافي للأجيال المقبلة. وأضاف أنه يواصل عمله وسط الأجواء التراثية لأسواق حلب القديمة، معتبراً أن الحفاظ على هذه الحرفة هو حفاظ على جزء من الذاكرة الثقافية للمدينة. وأوضح أن الزخرفة النافرة كانت أحد أهم عناصر الطراز الشرقي الذي ميز أسقف وجدران البيوت العربية التقليدية، مشيراً إلى أن العمل يبدأ برسم التصميم على الورق قبل نقله إلى الخشب. ثم يستخدم الحرفيون معجوناً خاصاً يُصنع من مواد نباتية لتشكيل الزخارف البارزة، ثم تُطلى الأرضية وتُضاف طبقة حماية. بعد ذلك تُلون الزخارف يدوياً بالفرشاة، وتكتمل في المرحلة الأخيرة برسم الخطوط السوداء الدقيقة التي تمنح العمل مظهره النهائي.

شغف متجدد ودعوة لسوق حرفية موحدة

وقال سعيد إنه ما زال يمارس الحرفة بالشغف نفسه الذي بدأ به قبل سنوات طويلة، مضيفاً: “هذه المهنة لا تصيب صاحبها بالملل”. وأوضح أن كل قطعة ينجزها تكشف له تفاصيل جديدة، وهو ما يجدد حماسه للاستمرار في العمل وتطوير مهاراته. وأشار إلى أن الألوان والخامات المستخدمة في الزخرفة الخشبية تغير الأجواء البصرية للمكان، إذ تمنح بعض الدرجات إحساساً بالبرودة في المساحات المشمسة، بينما تضفي درجات أخرى شعوراً بالدفء في الأماكن الأقل إضاءة. وأضاف: “الزبائن الذين يزورون ورشتي يمضون وقتاً طويلاً في تأمل الجدران والأسقف وملاحظة التفاصيل الدقيقة للأعمال”. ودعا سعيد إلى إنشاء سوق تقليدية تضم الحرفيين تحت سقف واحد، مما يسهم في حماية المهن التراثية من الاندثار. وأوضح أن مثل هذه السوق يمكنها جمع حرف تقليدية متعددة، مثل الزخرفة النافرة، وصناعة الأدوات النحاسية، والنسيج، وحياكة السجاد، معتبراً أن وجود الورش في مكان واحد من شأنه تشجيع المنافسة بين الحرفيين والارتقاء بجودة الإنتاج. وفي وقت تتراجع فيه المهن التقليدية أمام أنماط الحياة الحديثة، يواصل أيمن سعيد رسم الزخارف على الخشب، واضعاً بين يدي ابنه حرفة حملها عن أسرته منذ طفولته، على أمل ألا تكون لوحاته آخر ما تبقى من فن يعيش منذ 1400 عام.