الرئيسيةعربي و عالميإيران تشتري الوقت وتكلف واشنطن ثمنًا...
عربي و عالمي

إيران تشتري الوقت وتكلف واشنطن ثمنًا باهظًا

04/06/2026 05:01

إن التعامل مع النظام الإيراني دون إنجاز المهمة بالكامل لا يُعد سياسة واقعية، بل يُعَدّ مجرد تأجيل للأزمة ومنح فرصة إضافية للحرس الثوري لإعادة التموضع. تكمن المشكلة في المقاربة التي تتبعها الإدارة الأمريكية الحالية ليس فقط في سعيها إلى مخرج سريع من الصراع، بل في احتمال قبولها بوقف ناقص يترك جوهر التهديد قائماً: برنامج نووي غير محسوم، وحرس ثوري غير مكسر، ومضيق استراتيجي يمكن استغلاله مرة أخرى كورقة ابتزاز، وشبكة إقليمية قادرة على إشعال جبهات متعددة عند الحاجة.

منطق التفاوض الإيراني والوقت كأداة حربية

إيران لا تفاوض كما تفعل الدول العادية. تفاوضها يتم وفق منطق النظام الثوري الذي يعتبر الوقت جزءًا من أدوات الحرب. كل يوم إضافي يمر دون حسم يمنح طهران فرصة لترميم قدراتها، وإعادة توزيع قواتها، وامتصاص الصدمة، وتحويل الضغط العسكري إلى مكسب سياسي. وبالتالي، أي اتفاق لا ينهى قدرة الحرس الثوري على تهديد المنطقة، ولا يفرض قيودًا حقيقية على البرنامج النووي والصاروخي، ولا يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، لن يكون سوى استراحة عملياتية لإيران.

فشل التجاوزات المؤقتة وإدراك طهران للضعف الغربي

الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن النظام الإيراني يمكن احتواؤه عبر تسوية مؤقتة. هذه الفكرة جُربت مرارًا، وكانت النتيجة دومًا واحدة: إيران تستغل الاتفاقات لتخفيف الضغط ثم تعود إلى سلوكها السابق بأدوات أكثر تطورًا. ولا ترى التنازلات الغربية كبادرة حسن نية، بل كدليل على ضعف الإرادة. وعندما يشعر الحرس الثوري أن واشنطن تبحث عن مخرج أكثر من نصر، فإنه لا يتراجع؛ بل يرفع سقف مطالبه وينتظر تغير الظروف السياسية داخل الولايات المتحدة.

معضلة الإدارة الأمريكية بين الحرب الطويلة والنجاح الظاهري

تواجه الإدارة الأمريكية معضلة واضحة. فمن جهة لا تريد حربًا طويلة تستنزف الداخل وترفع أسعار الطاقة وتمنح خصومها السياسيين فرصة للهجوم. ومن جهة أخرى لا تستطيع أن تدعي النجاح إذا انتهت الأزمة دون تغيير حقيقي في سلوك إيران. بين هذين الخيارين يبرز إغراء الحل الوسط: تهدئة مؤقتة، تعهدات عامة، وربما فتح جزئي للمضيق مقابل تخفيف الضغط أو تأجيل المواجهة. لكن هذا النوع من الحلول هو بالضبط ما تريده طهران.

استراتيجية الحرس الثوري وأثرها على الردع الأمريكي

الحرس الثوري لا يحتاج إلى انتصار كامل ليحقق مكسبًا؛ يكفيه أن ينجو. بقاءه المتماسك يعني أن النظام احتفظ بأداته الأساسية داخليًا وخارجيًا. فهو ليس مجرد قوة عسكرية، بل جهاز أمني واقتصادي وعقائدي وإقليمي يدير الميليشيات، ويحمي بنية النظام، ويستغل الأزمات الخارجية لإعادة تعبئة الداخل. لذلك لا يفيّ ضرب منشآت أو تدمير بعض القدرات إذا بقيت البنية القيادية والعملياتية للحرس قادرة على العمل.

إن التعامل الناقص مع إيران يرسل ثلاث رسائل خطيرة: الأولى إلى طهران تفيده بأنه بإمكانه الصمود حتى تتعب الولايات المتحدة؛ والثانية إلى الحلفاء تُظهر أن أمريكا قد تبدأ المواجهة لكنها لا تضمن نهايتها؛ والثالثة إلى الخصوم الآخرين تُشير إلى أن رفع التكلفة على أمريكا قد يدفعها إلى التراجع. هذه الرسائل أخطر من نتائج المعركة نفسها، لأنها تمس مفهوم الردع الأمريكي في الشرق الأوسط وخارجه.

بنت إيران استراتيجيتها على فكرة أن الغرب يخشى الحرب الطويلة أكثر مما تخشاها هي. يستطيع النظام قمع الداخل، وتوزيع الكلفة على المجتمع، واستخدام الشعارات الوطنية والدينية لتبرير المعاناة. أما الديمقراطيات الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، فتصارع ضغوط الإعلام، والأسواق، والانتخابات، وأسعار الوقود، ومزاج الرأي العام. لذا تراهن طهران على الزمن لا على القوة وحدها؛ فهي تدرك أنها لا تستطيع هزيمة أمريكا عسكريًا، لكنها تعتقد أنها تستطيع إرباكها سياسيًا.

ومن هنا تظهر خطورة أي مقاربة أمريكية لا تحدد بوضوح معنى «إنجاز المهمة». هل الهدف هو وقف إطلاق النار؟ أم إعادة فتح المضيق؟ أم تفكيك قدرة إيران على الابتزاز؟ أم منعها فعليًا من الوصول إلى سلاح نووي؟ دون تعريف دقيق للهدف تتحول الحرب إلى إدارة أزمة، وتتحول الدبلوماسية إلى غطاء للتراجع. أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تعلن واشنطن نجاحًا إعلاميًا بينما يعرف الإيرانيون والحلفاء والأسواق أن جوهر التهديد لم يتغير.

لا يعني ذلك أن الخيار الوحيد هو غزو بري أو حرب مفتوحة بلا نهاية؛ فهذا ليس مطلوبًا ولا واقعيًا.but المطلوب هو ألا تتحول الرغبة في تجنب الحرب الطويلة إلى قبول نتيجة ضعيفة. يمكن للولايات المتحدة أن تستخدم مزيجًا من الضغط العسكري المحدد، والعقوبات الخانقة، والعزلة البحرية، والضغط الدبلوماسي على شركاء إيران، والعمل الاستخباراتي، والحرب السيبرانية، ودعم الردع الإقليمي. لكن كل ذلك يجب أن يخدم هدفًا واحدًا: حرمان النظام الإيراني من القدرة على تحويل أي تسوية إلى فرصة لإعادة التسليح والتمدد.

كما يجب ألا يُفصل الملف النووي عن سلوك إيران الإقليمي؛ فقد كان هذا أحد أخطاء المقاربات السابقة. لا تفصل إيران بين النووي والصواريخ والميليشيات والممرات البحرية؛ كلها أجزاء من منظومة ضغط واحدة. فإذا جرى التعامل مع النووي وحده، ستبقى الصواريخ؛ وإذا تجاهلنا الميليشيات، ستظل أداة الرد غير المباشر؛ وإذا فُتح المضيق دون ضمانات صارمة، سيغلق مرة أخرى عند أول أزمة. لذا فإن أي اتفاق جزئي سيخلق أزمة جديدة، لا سلامًا جديدًا.

بنى الرئيس الأمريكي جزءًا مهمًا من صورته السياسية على أنه لا يخوض حروبًا عبثية. لكن تجنب الحرب العبثية لا يعني قبول تسوية عبثية. الفارق كبير بين الانضباط الاستراتيجي والتردد. الانضباط يعني معرفة متى تضرب، وماذا تريد، ومتى تتوقف. أما التردد فمعناه بدء الضغط ثم التراجع قبل أن تتغير حسابات العدو. تدرك إيران هذا الفارق جيدًا وتختبره باستمرار.

الخلاصة أن التعامل مع النظام الإيراني دون إنجاز المهمة هو خطأ استراتيجي. ليس لأن الحرب مطلوبة بحد ذاتها، بل لأن السلام الناقص مع إيران غالبًا ما يكون مقدمة لحرب أكبر. يشتري الحرس الثوري الوقت، ويراهن النظام على تعب واشnطن، وأي تراجع أمريكي الآن سيُقرأ في طهران كدليل على أن سياسة الابتزاز نجحت. إذا أرادت الإدارة الأمريكية إنهاء الأزمة، فعلها أن تنهي قدرة إيران على تكرارها، لا أن تمنحها مهلة جديدة تحت مسمى التهدئة.