الرئيسيةعربي و عالميالبيض وصحة القلب: ماذا تقول الأدلة...
عربي و عالمي

البيض وصحة القلب: ماذا تقول الأدلة العلمية الحديثة؟

14/08/2026 09:00

كيف تغيرت النظرة العلمية للبيض؟

ظل صفار البيض موضع شك لعقود طويلة؛ فكونه طعاماً أساسياً في الإفطار التقليدي وغناه بالكوليسترول جعله في صدارة الأطعمة التي يُنصح بالتقليل منها حفاظاً على صحة القلب.

غير أن النظرة العلمية تبدلت؛ إذ لم تعد الدراسات الحديثة تدرس البيض بمعزل عما حوله، بل في سياق النظام الغذائي ككل، مع التركيز على الدهون المشبعة والمتحولة، ومجموع السعرات الحرارية، والظروف الصحية الفردية.

وتؤكد كلية “تي إتش تشان” للصحة العامة في جامعة هارفارد أن استهلاك ما يصل إلى بيضة واحدة يومياً لا يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب لدى أغلب الأصحاء. وتقول جمعية القلب الأميركية إن بإمكان الشخص السليم إدراج بيضة كاملة يومياً ضمن وجبات متوازنة.

ولا يعني هذا أن كوليسترول الغذاء فقد أهميته، أو أن تناول البيض بلا حدود آمن للجميع؛ فالتوصيات انتقلت من حظر صنف بعينه إلى تقييم النمط الغذائي الشامل.

ماذا يحتوي صفار البيض؟

تحتوي البيضة كبيرة الحجم على حوالي 200 مليغرام من الكوليسترول، ومعظمه في الصفار. وكان السائد قديماً أن كوليسترول الطعام ينتقل مباشرة إلى الدم، غير أن تفاعل الجسم معه أكثر تعقيداً. فالكبد هو المصدر الرئيس لكوليسترول الجسم، وقد يعدّل إنتاجه بحسب ما يصل إليه من غذاء. وتتفاوت هذه الاستجابة بين شخص وآخر تبعاً للعوامل الوراثية والوزن والنشاط البدني والحالة الصحية.

وتشير الدلائل إلى أن الدهون المشبعة والمتحولة تمارس تأثيراً أكبر في الكوليسترول الضار مقارنة بالكوليسترول الذي يأتي من الطعام؛ لذلك فإن الزبدة واللحوم المصنعة والمعجنات والمقليات المرافقة للبيض قد تكون أكثر استحقاقاً للقلق من البيضة ذاتها.

غير أن ذلك لا يلغي أثر كوليسترول الغذاء كلياً، لا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون أصلاً من ارتفاع الكوليسترول الضار أو لديهم استعداد وراثي.

هل بيضتان يومياً خيار صحي؟

أما فيما يخص تناول بيضتين يومياً، فقد أظهرت تجارب قصيرة الأمد أن ذلك لم يسبب تغيرات ضارة ملموسة في مؤشرات الخطر القلبي لدى بالغين أصحاء، حين كان داخلاً في نظام غذائي متوازن.

وفي تجربة عشوائية حديثة شملت بالغين يعانون ارتفاع دهون الدم، تبين أن إضافة بيضتين يومياً إلى نظام “داش” الغذائي لمدة 8 أسابيع لم تؤثر سلباً في ضغط الدم أو في أغلب مؤشرات الدهون والسكر، وذلك مقارنة بمن اتبعوا النظام نفسه دون بيض.

ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن بيضتين يومياً توصية عامة؛ فالدراسات قصيرة المدة، وتقيّم مؤشرات وسيطة، ولا تثبت بشكل قاطع علاقة هذا الاستهلاك بخطر الإصابة بالجلطات بعد سنوات. ولهذا تظل توصية جمعية القلب الأميركية أكثر تحفظاً، وهي بيضة كاملة واحدة يومياً للأصحاء، مع مراعاة إجمالي النظام الغذائي. وتسمح الإرشادات العلمية للجمعية لكبار السن ذوي الكوليسترول الطبيعي بتناول بيضتين في حالات معينة.

القيمة الغذائية… والطبق الأهم

وإلى جانب البروتين عالي الجودة، يمد البيض الجسم بالكولين اللازم لوظائف الخلايا والدماغ، كما يقدم فيتامين “B12” والسيلينيوم، ومقادير من فيتامين “D” والحديد. ويحتوي الصفار أيضاً على اللوتين والزياكسانثين، وهما من مضادات الأكسدة الموجودة في أنسجة العين. لكن وجود هذه العناصر لا يجعل البيض علاجاً أو بديلاً عن الخضراوات والأغذية المتنوعة.

تتغير القيمة الصحية للوجبة بحسب ما يُقدَّم مع البيض وطريقة طهيه؛ فسلقه أو إعداده بكمية معتدلة من زيت الزيتون، وتقديمه إلى جانب الخضراوات والحبوب الكاملة، ليس كتناوله مع النقانق واللحوم المصنعة والزبدة والخبز فائق المعالجة.

أما من يعانون أمراض القلب أو السكري أو ارتفاع الكوليسترول، أو لديهم استعداد وراثي، فعليهم تحديد الكمية المناسبة بالتشاور مع الطبيب أو أخصائي التغذية؛ إذ تختلف المخاطر والاستجابات بين الأفراد.

الخلاصة أن البيض ليس عدواً لصحة القلب، وليس أيضاً طعاماً يمكن تناوله دون حدود. وبالنسبة لغالبية الأصحاء، يمكن لبيضة واحدة يومياً أن تجد مكاناً على المائدة، شرط ألا تُغيب الصورة الأكبر: ما يرافقها من أطعمة، وما يتكرر استهلاكه خلال بقية اليوم.