الرئيسية›عربي و عالمي›اكتظاظ السجون التونسية يتزايد وتحذيرات من...
عربي و عالمي

اكتظاظ السجون التونسية يتزايد وتحذيرات من تداعيات حقوقية ودعوات لتوسيع العقوبات البديلة

14/10/2026 08:08

واقع الاكتظاظ والأرقام

تشير تقارير حقوقية وعائلية إلى أن الصيف الماضي شهد عدة حالات وفاة داخل السجون التونسية، coinciding with موجات حر شديد أثارت مخاوف بشأن ظروف الاحتجاز، لا سيما لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

في مؤتمر صحفي عقد في مايو/أيار من السنة الماضية، أعلن رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب فتحي جراي أن السجون التونسية عاشت خلال العامين الأخيرين «اكتظاظا غير مسبوق».

وأوضح جراي أن عدد السجناء ارتفع بما لا يقل عن عشرة آلاف، منتقلاً من حوالي ثلاثة وعشرين ألفاً إلى نحو ثلاثة وثلاثين ألف سجين، بينما لا تتجاوز طاقة الاستيعاب سبعة عشر ألفاً.

وبناءً على هذه الأرقام بلغت نسبة إشغال السجون نحو مائة وأربعة وتسعين بالمئة من قدرتها الاستيعابية، أي ما يقارب ضعف القدرة الفعلية.

تحذيرات من آثار الاكتظاظ على الصحة والكرامة

يؤكد رئيس الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية الحسين بوشيبة أن زيادة عدد السجناء بنحو عشرة آلاف خلال أربع سنوات تكشف عن تحول الأمر إلى أزمة هيكلية في المنظومة السجنية.

ويشير بوشيبة إلى أن آخر تحديث للبيانات المنشورة على الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للسجون والإصلاح يعود إلى 21 فبراير/شباط 2021.

ويحذر من أن الاكتظاظ يؤدي إلى تدهور ظروف الإقامة، ويزيد الضغط على الخدمات الصحية والنفسية، ويصعب توفير النظافة والتهوية والمساحات الضرورية، فضلاً عن زيادة الأعباء على العاملين وارتفاع احتمالات التوتر والعنف داخل المؤسسات.

ويعرب عن قلقه من تفاقم الوضع خلال الصيف، مشيراً إلى تسجيل وفيات قال إنها ناجمة عن الظروف القاسية، لا سيما بين المرضى وكبار السن، بالإضافة إلى تأثر برامج التعليم والتأهيل وإعادة الإدماج.

ويتساءل: هل تتناسب سياسة اللجوء إلى السجن مع قدرة المنظومة على الاستيعاب والإصلاح وإعادة الإدماج؟

ويشدد على ضرورة نشر إحصائيات محدثة وشفافة بشأن أعداد السجناء وطاقة الاستيعاب للمؤسسات السجنية.

ويعتقد بوشيبة أن محدودية الإمكانيات لا تبرر تعطيل القانون أو العدالة، لكنه يرى أن إنفاذ القانون لا يعني بالضرورة اللجوء إلى السجن في كل الحالات، ويقترح ترشيد السياسة الجزائية عبر توسيع العقوبات البديلة، وتسريع البت في القضايا، واحترام الآجال المعقولة للمحاكمة، وتحسين ظروف الاحتجاز وتعزيز برامج التأهيل وإعادة الإدماج.

ويعتبر أن أوضاع سجناء الرأي والموقوفين في قضايا مرتبطة بالمرسوم 54 تستحق مراجعة جدية، خاصة في ضوء التحركات المتعلقة بتنقيحه خلال الأسبوع الجاري.

ويذكر أن المرسوم 54 الصادر في سبتمبر/أيلول 2022 يتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، وأن بعض أحكامه تواجه انتقادات حقوقية لكونها تُستعمل لتقييد حرية التعبير.

ويؤكد بوشيبة أن المطلوب ليس التساهل مع الجريمة، بل اعتماد سياسة جزائية متوازنة تكون حازمة تجاه الجرائم الخطيرة والمنظمة، وعقلانية ورحيمة في اللجوء إلى السجن، وفعالة في استعمال البدائل.

ويدعو إلى الانتقال من منطق «العقاب بعد وقوع الجريمة» إلى «الوقاية قبل وقوعها» دون إضعاف دور الأمن والقضاء.

ويشير إلى أنه في قضايا المخدرات يجب التمييز بين المستهلك الذي يحتاج إلى العلاج وإعادة الإدماج، والمروج وشبكات الاتجار والجريمة المنظمة.

ويوضح أن الوقاية من العنف تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والحي، من خلال التربية على الحوار، ومكافحة التسرب المدرسي، ودعم الشباب في أوضاع الهشاشة، وتوفير الأنشطة الرياضية والثقافية.

ويخلص إلى أن الأمن ضروري لمواجهة الجريمة الخطيرة لكنه وحده غير كافٍ؛ بل يلزم أيضاً الوقاية والعلاج والتربية والعدالة الناجعة وإعادة الإدماج.

مقترحات لتوسيع العقوبات البديلة وردود رسمية

من جهته حذر رئيس المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب شكري لطيف من أن الاكتظاظ يخلق «ظروف احتجاز قاسية» تنطوي على مخاطر تمس سلامة السجناء وكرامتهم وحقوقهم، وفي مقدمتها الحق في الحياة.

ويقول لطيف إن الاكتظاظ يسهم في تفشي الأمراض المعدية، بما فيها الجلدية والتنفسية.

ويضيف أن اقتران الاكتظاظ بضعف التهوية وانقطاع الكهرباء قد يتسبب في الاختناق وأزمات التنفس والسكتات القلبية والدماغية، خصوصاً لدى كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.

ويعتبر أن هذه الظروف تتناقض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صدّقت عليه تونس، ومع قواعد نيلسون مانديلا الدنيا لمعاملة السجناء، ومع القانون التونسي عدد 52 لسنة 2001 الذي يضمن للسجين سلامته الجسدية والمعنوية والرعاية الصحية والنفسية.

ويرى لطيف أن الاكتظاظ ومحدودية الإمكانيات اللوجستية وموجة الحر الشديدة خلال الصيف الماضي عرضت صحة محتجزين وحياتهم لمخاطر المرض والموت.

ويطالب بصيانة المؤسسات السجنية وتجهيزها بوسائل التهوية والتبريد والتدفئة، وتوفير أطقم صحية دائمة داخلها.

ويُطالب بالإفراج، وفق الإجراءات القانونية، عن الموقوفين والمحكومين في قضايا الجنح البسيطة، إلى جانب كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.

كما يدعو إلى الإفراج عن «سجناء الرأي» والمحكومين بموجب المرسوم 54.

ويشدد على تفعيل العقوبات البديلة، بما يشمل الصلح الجزائي والعمل للمصلحة العامة والسوار الإلكتروني والغرامات المالية، خصوصاً في الجنح المرتبطة بالفقر.

من جانبه أكد المتحدث باسم ائتلاف «أحرار»، أحمد الهمامي، أن السجون التونسية تعاني اكتظاظاً كبيراً، موضحاً أن نسبته «فاقت 200 بالمئة من طاقة الاستيعاب».

واقترح الهمامي الإفراج عن المحكومين بعقوبات تقل عن سنة سجنا، مقابل أداء أعمال مدنية أو الخضوع للمراقبة بالسوار الإلكتروني.

وقال إن هذه الحلول تحتاج إلى تحرك من وزارتي العدل والداخلية ورئاسة الجمهورية.

ودعا مجلس نواب الشعب إلى تعديل المجلة الجزائية (قانون العقوبات)، التي قال إنها لم تشهد تعديلات جوهرية منذ نحو أربعين عاماً، باتجاه توسيع العقوبات البديلة، مع تقليص مدة الإيقاف على ذمة التحقيق التي قد تصل إلى أربعة عشر شهراً.

واعتبر أن العقوبات البديلة أفضل من بناء سجون جديدة، مؤكداً أن التزام الدولة بتطبيق القانون لا يمنع التوسع فيها.

وأشار إلى اهتمام الرئاسة بهذا التوجه، مستشهداً بخطة لوزارة العدل لتطبيق السوار الإلكتروني، وتجربة للعقوبات البديلة شملت عدداً من السجناء بجزيرة جربة التابعة لولاية مدنين جنوب شرقي البلاد.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أعلن ممثلو وزارة العدل التونسية، خلال جلسة برلمانية، عن تفعيل العقوبات البديلة للسجن في 335 حالة، عبر أربع آليات تشمل السوار الإلكتروني، والعمل لفائدة المصلحة العامة، والصلح بالوساطة، والتعويض.

وبحسب محضر الجلسة المنشور على الموقع الرسمي لمجلس نواب الشعب، أعلنت الوزارة مواصلة استكمال النصوص المنظمة للعقوبات البديلة، والبحث عن مزودي الأساور الإلكترونية، إلى جانب مشاريع لتحسين ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية.

وفي 22 أغسطس/آب 2026 نفى الناطق باسم الهيئة العامة للسجون والإصلاح حاتم عكروت، في تصريحات لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، وجود تدهور صحي عام أو إهمال في الرعاية الطبية للسجناء، مؤكداً متابعة الحالات الصحية وفق الإجراءات المعمول بها.

وسبق أن أكدت الهيئة، في بيان أواخر يوليو/تموز الماضي، اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الارتفاع الاستثنائي في درجات الحرارة داخل المؤسسات السجنية، بما يضمن ظروف الإقامة والرعاية الصحية.

ونفت آنذاك ما جرى تداوله بشأن تدهور الحالة الصحية لبعض السجناء وحرمان عائلاتهم ومحاميهم من زيارتهم.

ولم تتضمن التصريحات الرسمية المذكورة إحصاءً محدثاً لأعداد السجناء والطاقة الاستيعابية، وسط استمرار المطالب الحقوقية بمعالجة الاكتظاظ وتوسيع العقوبات البديلة.