فضول لا ينتهي: حين تتحول الخصوصية إلى ساحة مفتوحة للاستجواب

يسافر أحدهم، فيهرع البعض للتساؤل: «سافر ولم يخبرنا». يشتري آخر سيارة، فيندفع الفضول لاستفسار: نقداً أم بالتقسيط؟ ويشتري ثالث منزلاً، فتنهال الأسئلة عن ظروفه المالية وقدرته على الشراء، وكأن هؤلاء المستفسرين كانوا سيتحملون تكاليف رحلته، أو يسددون أقساط سيارته، أو يساهمون في ثمن بيته.
الاستفسار عن كل كبيرة وصغيرة
وإذا خطب أحد أبنائه أو تزوج دون إبلاغهم، لاموه وكأنه قصر في حقهم، مع أن حياته وقراراته الشخصية ليست ملزمة بالمرور على الجميع قبل اتخاذها. والأغرب أن بعض الناس لا يكتفون بمعرفة الأخبار العامة، بل يتتبعون تفاصيل الحياة الخاصة: أين تعمل؟ كم راتبك؟ أين يدرس أبناؤك؟ كم بقي لهم حتى التخرج؟ أسئلة تتوالى بدافع الفضول، لا لحاجة حقيقية ولا لمساعدة مرتقبة.
مساحة مزدوجة المعايير
وحين يأتي دور سؤالهم عن شؤونهم، تجدهم يتجنبون الإجابة بمهارة، وكأن الخصوصية حق لهم وحدهم، بينما خصوصيات الآخرين مجال مفتوح للاستفسار. هنا تكمن المفارقة: نطالب الناس باحترام مساحتنا الخاصة، ثم لا نتردد في تجاوز المساحات التي تخصهم.
السؤال عن الآخرين ليس عيباً في ذاته، ما دام نابعاً من محبة صادقة ورغبة في الاطمئنان، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاهتمام إلى فضول، والسؤال إلى تدخل، ومعرفة الأخبار إلى حق نطالب به دون أن يكون لنا فيه حق.
لكل شخص أسبابه
ليس كل من لم يخبرك بتفاصيل حياته يتعمد تجاهلك، وليس كل ما يحتفظ به لنفسه سراً يخفيه عنك. قد تكون له أسبابه، وقد يرى أن بعض الأمور لا تستدعي الحديث، وهذا حقه الذي ينبغي احترامه دون عتاب أو تأويل. من جميل الأخلاق أن نفرح للآخرين دون أن نفتش في تفاصيل أفراحهم، وأن نبارك لهم أرزاقهم دون أن نحقق في مصادرها، وأن نتمنى لهم الخير دون أن نطالبهم بتفسير قراراتهم.
إذا علمت أن شخصاً سافر، فتمنَّ له رحلة سعيدة. وإن اشترى منزلاً أو سيارة، فبارك له فيما رزقه الله. وإن أقبل على الزواج، فادعُ له بالتوفيق. فالمحبة الصادقة لا تحتاج إلى معرفة كل التفاصيل، ولا تُقاس بمدى اطلاعنا على حياة الآخرين.
العمر أثمن من تتبع الأخبار
العمر أثمن من أن يُستهلك في تتبع أخبار الناس، والوقت أحق بأن يُصرف فيما ينفعنا وينفع من حولنا. فلنشغل أنفسنا بإصلاح عيوبنا، ورعاية شؤوننا، وتطوير قدراتنا، والإكثار من ذكر الله، بدلاً من مراقبة تفاصيل لم نُكلَّف بمعرفتها. افرح لغيرك، واحترم خصوصيته، ولا تسأل عن أمر لم يختر أن يخبرك به. فكما تحب أن يحتفظ الآخرون لك بمساحتك الخاصة، امنحهم المساحة ذاتها.
فلنترك للناس حياتهم، ولأنفسنا راحة البال، فما أجمل أن نعيش بقلوب صافية، وألسنة طيبة، ونفوس لا تنشغل إلا بما يعنيها، سائلين الله أن يبارك لنا وللآخرين فيما رزقنا ورزقهم.





