النقد.. متى يتحول من أداة تصحيح إلى سلاح هدم؟

النقد ضرورة.. لكنه قد يتحول إلى هدم
لا يمكن إنكار أن النقد يشكل ركيزة أساسية في أي مسار جاد نحو التقدم؛ فالمساءلة حق مشروع، ومراجعة الأخطاء شرط لا غنى عنه لتطوير الأداء. غير أن الإشكال يبدأ عندما يفقد النقد وظيفته التصحيحية، ويتحول إلى أداة هدم، وعندما يصبح سوء الظن هو العدسة التي تُقرأ من خلالها كل القرارات، ويُستقبل حسن الظن بوصفه سذاجة أو تجاهلاً للحقيقة أو محاباة.
التغيير مسار عام لا معركة شخصية
في خضم التحولات الفكرية والاجتماعية والتنموية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع، يظهر لدى البعض ميل إلى التعامل مع التغيير بوصفه معركة شخصية، لا مساراً عاماً تتشابك فيه المصالح والاجتهادات والتحديات. وكأن صاحب المبادرة إنما يقصد الإضرار بنا، وكأن صاحب الفكرة يسعى إلى تعكير حياتنا، وكأن كل مشروع جديد يخفي نية سيئة بانتظار من يكشفها.
تكلفة المحاولة أعلى من احتمال الخطأ
الخطورة هنا تكمن في اختزال كل تعثر إلى نية مقصودة، وكل تأخير إلى تقصير، وكل اختلاف إلى استهداف. فحين يسود هذا المنطق، لا نكتفي بمحاكمة النتائج، بل نصادر فرص النجاح قبل نضجها. والأخطر أن هذا الأسلوب يدفع أصحاب الأفكار إلى التردد، ويحمل أصحاب المبادرات على الانسحاب؛ ليس لأن أفكارهم فاشلة، بل لأن كلفة المحاولة صارت أعلى من كلفة الخطأ ذاته.
التمييز بين التعثر والفشل
ليس المطلوب منح المشاريع شيكاً على بياض، ولا التغاضي عن الإخفاق بلا محاسبة؛ بل المطلوب هو التمييز بين تعثر يستوجب التصحيح، وفشل يستدعي المراجعة، وقصور يستحق المساءلة، وبين تجربة لا تحتاج سوى وقتها الطبيعي حتى تنضج. فالكمال ليس شرطاً للتقدم، والمثالية ليست معياراً للنجاح، والتغيير لا يأتي دائماً في صورة مريحة أو بنتائج فورية.
وقد يكون أكبر عائق أمام التغيير ليس ضعف الفكرة، بل نفاد صبرنا عليها؛ وقد لا يكون الخطر في تعثر المشروع، بل في مجتمع لا يمنحه فرصة للنهوض.





