هل لا يزال الفصل التقليدي صرحًا للتعليم؟ كيف أعاد جيل Z صياغة أساليب التدريس

خلال إحدى محاضراتي، طرحت سؤالًا على أحد الطلبة. بدأ يجيب ثم انقطع فجأة، ثم طلب مني بلطف: “عذرًا، هل يمكن إعادة السؤال؟ لقد نسيته”. لم يدم السؤال سوى لحظات، إلا أن الطالب لم يتذكره.
توقفيت لحظة لأفكر، وعندها أدركت أن السبب لا يكمن في الطالب نفسه، بل في أن أسلوب الفصل التقليدي صُمم لجيل مختلف تمامًا.
مدة الانتباه لدى جيل Z
تشير الأبحاث إلى أن متوسط تركيز جيل Z لا يتجاوز ثماني ثوانٍ، وهو ما يقارن بسخرية بمدة تركيز السمكة الذهبية. يُظهر هذا أن جيل Z يمتلك قدرة تركيز أقصر بنسبة ثلاثين بالمئة مقارنة بجيل الألفية.
إلا أن هذه الإحصاءات لا تحكي القصة الكاملة. ففي الواقع اليومي داخل القاعة، نرى طلابًا يستطيعون قضاء ساعات في ألعاب إلكترونية، ويحفظون نصوص أغاني سمعوها مرة واحدة، ويتابعون مقاطع تيك توك بتركيز مستمر، في حين يواجهون صعوبة في البقاء صامتين أمام محاضرة تقليدية تستمر لعشر دقائق.
الملل هو العائق الحقيقي
المشكلة ليست في نقص القدرة على التركيز، بل في الإحساس بالملل. أكثر من نصف مستخدمي تيك توك يقرون بأن الفيديوهات التي تتجاوز الدقيقة تشكل عبئًا نفسيًا، فكيف نطلب منهم الجلوس لساعتين من الدرس التقليدي؟
وفقًا لدراسة أجرتها شركة غالوب عام 2024، يتراوح نسبة طلاب جيل Z الذين يرون أن تجربتهم التعليمية تفتقر إلى الإثارة بين 25% و54%.
هذه الأرقام صادمة، لكنها لا تفاجئ من يتعامل يوميًا مع هذا الجيل.
ما يرفضه الجيل وليس التعلم نفسه
جيل Z لا يرفض اكتساب المعرفة؛ ما يرفضه هو الأسلوب. يرفض أن يُسأل عن هواية شخص يعيش في زمن يناقش فيه تغير المناخ، حقوق الإنسان، والذكاء الاصطناعي. يرفض الواجبات التقليدية التي تستغرق ساعات دون أن تزوّده بمهارة عملية. هذا الجيل يطلب تعلمًا ذا صلة بحياته اليومية.
تجربة شخصية: تعديل أسلوب التدريس
عليّ أن أواكب هذا التغيير؛ لم يكن خيارًا بل ضرورة. بدأت بتقسيم الدروس إلى فترات لا تتجاوز عشر دقائق، وتناوبت بين أنشطة مختلفة: استماع، محادثة، لعبة، ثم نقاش. استبدلت حفظ القواعد من الكتاب بتمثيل الأدوار، حيث يثبت التعلم عندما يمارس الطالب الدور.
أدوات مثل Kahoot، Quizlet، وBlooket تحولت من كونها إضافات إلى عناصر أساسية في العملية التعليمية، لأن هذا الجيل يتذكر ما يتعلمه عندما يتنافس مع زملائه.
لتعليم صيغة الأمر في اللغة العربية، اعتمدت على مشاهدة وصفات طهي على يوتيوب، ثم كلفت الطلاب بإعداد وجبة وتصويرها كواجب. جاءت النتائج مبهرة، ليس فقط في إتقان اللغة بل وفي رفع الحماس.
تغيّر محتوى الأسئلة أيضًا؛ لم يعد سؤال “ما هي هوايتك؟” مقبولًا، إذ يراه الكثيرون تدخلاً في خصوصيتهم. أما عندما تم طرح مواضيع مثل البيئة، التكنولوجيا، أو التنوع الثقافي، تحوّلت القاعة إلى حوار مستمر.
حتى الإعلانات القطرية على إنستغرام، بمزيجها من الفصحى والعامية، صارت مادة تعليمية، حيث حضر الطلاب بانتظام لا يعرفون ما سيجدونه في كل درس.
الأخطاء الشائعة للمعلمين
المشكلة لا تكمن في جيل Z بحد ذاته، بل في تقييمه بمعايير جيل آخر. عندما نصف الطالب بأنه كسول لأنه لم يكمل ورقة عمل تقليدية، قد يكون السبب أن الورقة لا تتحدث بلغته. وعندما نُصنّفه غير منتبه، ربما يكون المحتوى غير جذاب.
دراسة نُشرت عام 2025 ربطت بين التعرض المكثف لمقاطع الفيديو القصيرة وانخفاض القدرة على التركيز المستدام. هذا لا يعني أن الطالب هو المصدر الوحيد للمشكلة، بل أن البيئة التعليمية يجب أن تتكيف مع أسلوب دماغ مختلف.
أظهرت التجارب أن الطلاب في مدارس حظيت ببيئات خالية من الهواتف احتفظوا بتركيز أطول بنسبة 23%، ما يدل على فائدة الحد من الإلهاءات، لكن الحل لا يقتصر على الحظر، بل على خلق تجربة تجعل الطالب ينسى هاتفه طواعية.
ما هو المطلوب فعلاً؟
المناهج التقليدية صُممت لجيل يعتمد على الحفظ والاسترجاع. جيل Z يفضّل الإنتاج، التجربة، والتأثير. لا يعني ذلك التخلي عن العمق الأكاديمي، بل إعادة تغليفه بطريقة تجعل الطالب يشعر بصلته الحقيقية بحياته.
اللغة العربية ليست مجرد قواعد وضمائر، بل وسيلة يمكن أن تفتح أمامه آفاق سوق العمل وتربطه بحضارة وتاريخ غنيين. عندما يدرك الطالب أن إتقان اللغة سيؤثر على مستقبله، يتغير سلوكه تمامًا.
أنا أُحب هذا الجيل؛ ليس رغم تحدياته، بل ربما بفضلها. إنه يدفعني لأن أكون معلمة أفضل كل يوم.





