الرئيسية›عربي و عالمي›تصاعد الاحتجاجات في خمس دول أوروبية...
عربي و عالمي

تصاعد الاحتجاجات في خمس دول أوروبية بسبب المطالب المعيشية والخلافات على الموازنات

18/10/2026 16:30

الاحتجاجات في فرنسا

تقدر النقابة العامة للعمل “سي جي تي” عدد المشاركين في احتجاجات السبت بحوالي ثمانمائة ألف شخص، بعد أن تقاطعت المطالب الطلابية والمعيشية مع الاعتراض على مشروع ميزانية 2027. وأشار بيان لحزب “فرنسا الأبية” الصادر في 15 أكتوبر إلى أن الدعوة بدأت من مواطنين محتجين على أسعار الوقود، ثم انضمت إليها confederations النقابية والجمعيات الطلابية. ووفق بيان سابق للنقابة، كان نقص الكادر التعليمي وازدحام الفصول الدراسية ومشاكل المؤسسات التعليمية في قلب الاحتجاجات الطلابية. وبعد المظاهرات، دعت النقابة إلى رفع الأجور والمعاشات والمساعدات الاجتماعية، والاستجابة لمطالب الشباب، ورفض الإجراءات المالية التي ترى أنها ستزيد الضغط على الخدمات العامة. من جانب الحكومة، يتضمن مشروع ميزانية السنة القادمة تدابير لضبط المالية بقيمة 54 مليار يورو بهدف خفض العجز إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لوزارة الاقتصاد والمالية. وتبرر الحكومة المشروع بالحفاظ على الإنفاق الأولي رغم ارتفاع أعباء الدين، بينما يطالب اتحاد العمل بمساهمة أكبر من الأثرياء والشركات. وبعد وقوع أعمال نهب وتخريب، أوضحت بلدية باريس مساء السبت أن هذه التصرفات لا ينبغي أن تخلط بأي حال بتعبئة الغالبية العظمى من المتظاهرين السلميين. ووصف رئيس البلدية إيمانويل غريغوار العنف بأنه يصرف الانتباه عن مطالب الشباب، وأعلن حشد خدمات البلدية لإصلاح الأضرار.

الاحتجاجات في البرتغال وبلجيكا وإيطاليا

في البرتغال، كشفت الأرقام الفجوة بين العرض الحكومي ومطلب النقابيين. عند تقديم مشروع ميزانية 2027 في 8 أكتوبر، أعلنت الحكومة رفع الحد الأدنى الوطني للأجور إلى 970 يورو للعام المقبل، مقابل مطالبة الاتحاد العام للعمال برفعه إلى 1100 يورو. كما تشمل المطالب النقابية زيادة عامة للأجور بنسبة 15 بالمئة أو ما لا يقل عن 150 يورو. بينما تقدم الحكومة تخفيضات ضريبية وزيادات لأجور موظفي الإدارة العامة كوسيلة لتعزيز دخل الأسر وتحسين الخدمات، يطالب الاتحاد باستجابة أوسع لغلاء الأسعار. وتحولت هذه المطالب إلى مظاهرات السبت في لشبونة وبورتو وكويمبرا شارك فيها آلاف العمال وفق الاتحاد. وتسائل الأمين العام للاتحاد تياغو أوليفيرا خلال مظاهرة لشبونة عن إمكانية العيش براتب ألف يورو مع إيجار يتراوح بين 800 و900 يورو إضافة إلى الوقود والسلع الأساسية. وأظهر مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” أن أسعار شراء المساكن في البرتغال ارتفعت 16.5 بالمئة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، مقابل متوسط أوروبي بلغ 4.7 بالمئة. وفي بلجيكا، حذر الاتحاد العام للعمل “إف جي تي بي” من تحميل العمال والمتقاعدين أعباء إضافية لتغطية عجز الميزانية. وشهدت بروكسل في 9 أكتوبر مظاهرة شارك فيها نحو ثلاثين ألف شخص من عمال وموظفين وتلاميذ وطلاب بدعوة من تحالف نقابات عمالية وأحزاب سياسية. وفي بيان بتاريخ 11 سبتمبر، حدد الاتحاد اعتراضاته على المساس بآلية ربط الأجور بالأسعار، واحتمال زيادة ضريبة القيمة المضافة، وتقليص الخدمات الصحية وتعديل تنظيم وقت العمل. ويطرح الاتحاد بديلا يتضمن مساهمة أكبر من الثروات الكبيرة وعائدات رأس المال، مع التلويح بإضراب عام إذا تجاوزت الحكومة ما وصفها بـ”الخطوط الحمراء”. وفي إيطاليا، جمعت دعوة تحالف “الطريق الرئيسي” الذي يضم نقابة “سي جي آي إل” وأكثر من مئة جمعية إلى مسيرة روما في 17 أكتوبر بين المطالب الاجتماعية ورفض تحويل الاقتصاد إلى “اقتصاد حرب”. وضمت قائمة المطالب زيادة الأجور، ومواجهة عدم استقرار العمل، والدفاع عن الخدمات العامة، ونظام ضريبي تصاعدي. وشهدت عدة مدن إيطالية السبت مسيرات واحتجاجات واسعة النطاق احتجاجا على ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار وتراجع الرعاية الصحية العامة. وانتقد رئيس إقليم ليغوريا ماركو بوتشي عبر بيان في 16 أكتوبر عرض دمى وصور لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ووزير التعليم جوزيبي فالديتارا مقلوبة خلال احتجاج في جنوة، مع affirming حقه في التظاهر لكنه اعتبر تلك الممارسات تجاوزا للحدود.

التطورات في ألبانيا

في ألبانيا، شهدت العاصمة تيرانا السبت يوما خامسا من المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، مع مطالبة المحتجين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما الذي تعهد بالاستماع لمطالبهم لكنه حذر من تعريض البلاد للخطر. ويرتبط جانب من خلفية التصعيد بالخلاف حول مشاريع سياحية في جزيرة سازان ومنطقة زفيرنيتس الساحلية، وما يحيط بها من نزاعات تتعلق بالملكية والبيئة والشفافية. ونفى راما عبر بيان في 15 يونيو أن تكون جزيرة سازان معروضة للبيع، موضحا أن الصيغة المقترحة تقوم على مشاركة الدولة في الاستثمار مع احتفاظها بملكية الجزيرة. وأقر بوجود مطالبات متنازعة بملكية أراض معروضة على القضاء، مع الدفاع عن الإجراءات الحكومية والبيئية المتبعة. ثم أعلن راما في 3 أكتوبر إطلاق منصة لنشر وثائق الملف، مبينا أن المبادرة جاءت بدفع من احتجاج بدأ مطلع يونيو. ومع المواجهات الأخيرة، أدانت وزارة الداخلية الاعتداءات على عناصر الشرطة والممتلكات، مؤكدة أن حق الاحتجاج السلمي لا يبرر العنف. وفي المقابل، دفع فيديو لشاب مصاب إلى فتح تحقيق في طريقة تعامل عناصر الشرطة معه قرب البرلمان. وبحسب بيان الشرطة، يظهر في المقطع شاب (19 عاما) مصابا في ساقه أثناء اقتياده، وقد أُوقف أربعة عناصر ومسؤول للنظام العام عن العمل، مع بدء تحقيق تأديبي وتحقيق بالتعاون مع النيابة.

تحليل الخبراء

تقول أستاذة القانون الدولي بجامعة كنت في المملكة المتحدة شهد الحموري إن معالجة الاحتجاجات تبدأ بحماية الحقوق الاقتصادية والسياسية، مشددة على أهمية الحلول السلمية. وتضيف أن على الدولة واجب حماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين من خلال ضمان الحياة الكريمة والحق في التعليم لمواطنيها، وأن تفاوت الحصول على الخدمات خصوصا لدى الأسر الأقل دخلا وذوي الخلفيات المهاجرة يعكس تقصيرا في الوفاء بهذه الواجبات. وتضع الحموري حق التعبير عن الرأي ومحاسبة السلطات ضمن الحقوق السياسية التي تتيح للمواطنين الاعتراض عندما لا تفي الدولة بالتزاماتها، وتربط اتساع التحرك الشبابي في أكثر من دولة أوروبية ببنية اقتصادية تهمش الطبقات العاملة. وفي التعامل الأمني، تشدد على ضرورة اللجوء إلى وسائل سلمية من بينها التفاوض مع ممثلي المتظاهرين ومحاولة الوصول إلى حلول، وترى أن قمع التعبير عن المطالب يضيف مساسا بالحقوق السياسية إلى التقصير الذي تنسبه إلى السلطات في المجال الاقتصادي، وأن عنف الشرطة يتجه عادة بصورة أكبر نحو الفئات ذات الخلفيات المهاجرة وأبناء الطبقات الفقيرة. وتؤكد على أهمية الوصول إلى حلول سلمية لا عنيفة مع المتظاهرين بالتوازي مع معالجة المطالب الاقتصادية. أما الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية حسام شاكر فيرى أن أزمات متراكمة تفسر انتقال الاحتجاجات من مطالب فئوية إلى تحركات أوسع، وأن استجابة الحكومات عامل حاسم في تحديد مسارها. ويشير إلى أن السكن يشكل معضلة حقيقية في بعض الدول، بينما قد تشكل تكاليف الطاقة محفزا إضافيا للتحرك لامتداد أثرها إلى أسعار سلع وخدمات متعددة. ويصف المشهد الفرنسي بأنه امتداد لموجات غضب سابقة بينها تحركات “السترات الصفراء” التي انطلقت في نوفمبر 2018 رفضا لفرض الحكومة زيادة في الضرائب على الوقود كجزء من خطة التحول البيئي، مشيرا إلى أن بعض جذورها لم تُعالج وأن صعوبات الميزانية والخيارات التقشفية تحد من قدرة الحكومة على احتوائها. ويضيف شاكر أن خروج فئة للاعتراض على قضية مطلبية محددة قد يحرك فئات أخرى مستشهدا بتحركات تلاميذ الثانويات في فرنسا واتساع المشاركة بعدها، وأن تعدد الملفات المطلبية يتيح تحولها إلى حركة من التظاهر العام كما حدث مع اتساع المشاركة في فرنسا. ويشير إلى أن منصات التواصل تتيح تنسيقا أسرع للمجموعات الشبابية حتى دون وجود أطر نقابية تقود تحركاتها، وأن أثر الاحتجاج قد يمتد إلى فئات أخرى داخل البلد نفسه أو خارجه، لكن طغيان مشاهد الصدام والغاز والأدخنة دون سياقات كافية يؤدي إلى تشكيل صور مجتزأة عن الواقع. ويوضح أن صور المواجهات لها أثر متباين في المشاركة؛ فقد تدفع بعض الناس إلى الابتعاد بينما تحفز آخرين أكثر استعدادا للصدام أو التعبير عن الغضب. وفي تحديد المسار المقبل، يمنح شاكر استجابة الحكومات أهمية خاصة من سلوك الشرطة إلى لغة المسؤولين ومدى الاستعداد للحوار، ويشير إلى أن التفاوض يواجه عقبة بقوله إن “غياب وجود ممثلين حقيقيين وواضحين للمشهد الجماهيري سيعقد هذه المهمة”. ويؤكد أن تخفيف التوتر يتطلب حماية الاحتجاج السلمي واستجابات عملية للمطالب ومراجعة ما يعتبره اختلالا في أولويات الإنفاق. ويذكر أن النقابات أعلنت عن مواعيد جديدة للتعبئة: دعت “سي جي تي” في فرنسا إلى إضراب ومظاهرات في 5 نوفمبر، وحدد الاتحاد العام للعمال في البرتغال تجمعا أمام البرلمان في 24 أكتوبر بالتزامن مع الموعد المتوقع للتصويت النهائي على الميزانية، وأبقى الاتحاد العام للعمل في بلجيكا احتمال الإضراب العام في 23 نوفمبر مرتبطا بخيارات الحكومة واستجابتها.