تونس: مخاوف من تراجع محصول الزيتون مع تطلعات لتعويض الأسعار

في ظل تحديات مناخية ولوجستية، يترقب مزارعو الزيتون في تونس موسماً جديداً يتسم بمخاوف جدية من انخفاض حاد في الإنتاج، بينما تتجه الأنظار إلى أسعار الزيت العالمية لتعويض الخسائر المحتملة. مع اقتراب انطلاق موسم الجني في أواخر شهر أكتوبر 2026، تتقاطع تحذيرات خبراء ونقابيين من تداعيات الجفاف وانقطاع الكهرباء، مع دعوة البنك المركزي التونسي إلى توفير سيولة مالية عاجلة للمزارعين وأصحاب المعاصر والمصدرين.
توقعات بإنتاج نصف الموسم الماضي
قال الخبير في السياسات الزراعية فوزي الزياني لوكالة الأناضول إنه في تقديره، إذا وصل إنتاج تونس من زيت الزيتون إلى ما بين 200 ألف طن و250 ألف طن، أي نحو نصف محصول الموسم الماضي، فإن ذلك سيعتبر نتيجة مهمة في ظل الظروف الراهنة. وأوضح الزياني أن هذه التوقعات تستند بشكل أساسي إلى الزيتون المروي، فيما أصبح الزيتون البعلي، الذي يعتمد على مياه الأمطار، مهدداً بالجفاف والتلف بسبب ارتفاع درجات الحرارة وغياب الأمطار في فصل الخريف داخل مناطق زراعته الرئيسية. وأشار إلى أن الأمطار التي هطلت مؤخراً شملت شمال تونس ومنطقة قبلي في الجنوب الغربي، لكنها لم تشمل مناطق إنتاج الزيتون الحيوية مثل سيدي بوزيد وصفاقس والقيروان ومنطقة الساحل التي تضم ولايات سوسة والمنستير والمهدية. وعزا ذلك إلى التغيرات المناخية التي تتجلى في عدم انتظام هطول الأمطار وانتقالها بين المناطق، مشيراً إلى أن مناطق في ولاية الكاف كانت معروفة بأمطار وفيرة أصبحت الآن جافة.
تأثير المناخ وانقطاع الكهرباء
دعا الزياني إلى ضرورة التكيف مع التغيرات المناخية من خلال الحفاظ على الموارد المائية وترشيد عمليات الغراس واعتماد الري التكميلي، بالإضافة إلى نقل بعض الزراعات إلى مناطق بديلة أكثر ملاءمة. وأكد أن التعداد الفلاحي المرتقب الذي أعلنت عنه وزارة الفلاحة قد يساهم في تحقيق هذا الهدف إذا تم استغلال نتائجه بشكل جيد. وأوضح الزياني أن إنتاج الزيتون المروي كان يمكن أن يكون أفضل لولا اضطراب إمدادات الكهرباء خلال فصل الصيف، مما أربك تشغيل مضخات الري، مضيفاً أنه كفلاح تضرر شخصياً من هذه المشكلة. وانتقد غياب التقديرات الرسمية الدقيقة للمحصول، معتبراً أن ذلك يفتح الباب أمام المضاربات ويضر بمصلحة تونس، خاصة مع تداول تقديرات حول إنتاج دول أخرى مثل إسبانيا للتأثير على الأسعار. وذكر أن الدول المنتجة عادة ما تقدم تقديرات أولية في يوليو ونهائية في سبتمبر، لكن وزارة الفلاحة التونسية توقفت عن اتباع هذا النهج منذ ثلاث سنوات. وأضاف أن مسؤولين في الوزارة توقعوا في يوليو الماضي إنتاج نحو 300 ألف طن، قد يرتفع إلى 350 ألف طن إذا هطلت أمطار الخريف، لكن الجفاف وموجة الحر حالا دون ذلك. وأكد الزياني أن الموسم الماضي كان استثنائياً وأن تراجع المحصول هذا العام متوقع، مشدداً على أن الدولة وحدها تمتلك الوسائل الكافية لتقديم تقديرات علمية دقيقة.
أسعار مرتقبة ودعوات لضبط السوق
وتوقع الزياني ارتفاع الأسعار مقارنة بالموسم الماضي، مدفوعاً بالطلب المحلي والعالمي، إذا أحسن المزارعون إدارة إنتاجهم. وأشار إلى وجود طلب من الولايات المتحدة وكندا والأردن والسعودية والعراق، معتبراً أن انخفاض المحصول مع استمرار الطلب يدعم توقعاته بارتفاع الأسعار. وحذر من محاولات خارجية لتبخيس أسعار الزيت التونسي عبر تمرير أرقام غير صحيحة، ومن وجود أطراف محلية تستفيد من خفض الأسعار. وشكك في تقديرات متداولة عن إنتاج إيطاليا، معتبراً أن الحديث عن إنتاجها 250 ألف طن غير صحيح بينما يبلغ استهلاكها 400 ألف طن. وقال الزياني إن الأسعار قد تبدأ بمستويات غير مرتفعة لكنها سترتفع لاحقاً، داعياً إلى مساعدة المزارعين على التخزين الذاتي والتحكم في بيع إنتاجهم لمواجهة محاولات شراء الزيت عالي الجودة بأبخس الأثمان.
تحديات الجني والتمويل
من جانبه، قال رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة في القيروان المولدي الرمضاني إن انطلاق موسم جني الزيتون بالولاية حُدد في 26 أكتوبر 2026. وأوضح في تصريحات لإذاعة “صبرة أف أم” المحلية أن الاتحاد طرح خلال جلسة عمل بالولاية إشكاليات تتعلق بمخلفات العصر (المرجين) وظروف عمل المعاصر وتوفير العمالة والتمويل والتخزين. وأكد الرمضاني أهمية القطاع للاقتصاد الوطني باعتباره مصدراً للثروة والعملة الصعبة، مشيراً إلى ارتباط أسعار الزيتون وزيته بتطورات السوق العالمية وحجم الإنتاج. وأضاف أن إسبانيا تتجه وفق تقديراتها لإنتاج نحو مليون و261 ألف طن هذا الموسم، بينما لم تعلن تونس تقديراتها النهائية، وسط تداول معطيات تشير إلى تراجع الإنتاج بنحو 40% مقارنة بالموسم الماضي. وشدد على أن توجيه الجزء الأكبر من الإنتاج التونسي للتصدير يجعل الأسعار رهينة السوق العالمية ومستويات الإنتاج لدى أبرز الدول المنتجة. وفي سياق متصل، دعا البنك المركزي التونسي في 19 أكتوبر 2026 البنوك والمؤسسات المالية إلى مضاعفة جهودها لتوفير التمويل لمختلف المتدخلين في منظومة زيت الزيتون بمناسبة انطلاق موسم 2026-2027. وأكد البنك، وفق وكالة الأنباء التونسية، حرصه على دعم القطاعات الإنتاجية ودفع الاستثمار والتنمية، وشدد على مواصلة تمويل القطاع ضمن استراتيجية مستدامة وتوفير السيولة للمزارعين وأصحاب المعاصر والمصدرين لتلبية احتياجاتهم في مراحل الجني والعصر والتخزين والتصدير. يمتد موسم جني الزيتون في تونس من أكتوبر إلى مارس من العام التالي، بحسب المساحات وحجم المحصول، فيما يبدأ العصر أواخر أكتوبر ويستمر حتى مارس، ويمتد موسم التصدير من نوفمبر إلى أكتوبر من العام التالي. وبهذا، تتعلق توقعات تراجع المحصول بالموسم الجديد 2026-2027 الذي يبدأ الجني فيه خلال أكتوبر الجاري ويستمر حتى مارس 2027، بينما تعكس بيانات الصادرات المتاحة فترات سابقة لبدء جني المحصول الجديد. ووفقاً لبيانات المعهد الوطني للإحصاء منتصف أكتوبر، بلغت قيمة صادرات زيت الزيتون حتى نهاية سبتمبر 2026 نحو 4 مليارات دينار (1.33 مليار دولار)، مقابل 2.9 مليار دينار (966.6 مليون دولار) خلال الفترة نفسها من 2025، بنمو نسبته 37.4%. وتخص هذه المقارنة قيمة الصادرات خلال فترتين متماثلتين من عامين ميلاديين، ولا تمثل حصيلة الموسم الجديد أو تقديراً لحجم إنتاجه. أما بيانات وجهات التصدير فتغطي الفترة من نوفمبر 2025 إلى نهاية أغسطس 2026، ضمن الموسم التصديري 2025-2026 الذي ينتهي في أكتوبر الجاري، قبل انطلاق الموسم التصديري الجديد في نوفمبر المقبل. وخلال تلك الفترة، استحوذت إسبانيا على 31.9% من صادرات زيت الزيتون التونسي، تلتها إيطاليا بنسبة 19.8%، والولايات المتحدة بنسبة 19.3%، وكندا بنسبة 4.9%، وفق إحصاءات المرصد الوطني للفلاحة.





