تصعيد إيراني يهدد استقرار الخليج ويكشف عن أزمة داخلية

السياق المتصاعد
المنطقة تعيش حالة اضطراب وتغير في قواعد اللعبة، بينما يبدو الوضع على وشك الانفجار مثل بركان مستعد للثوران. هناك جهات تسعى لخلط الأوراق بحثًا عن نصر زائف، واستقرار الإقليم وسلامته أصبحت عدوًا لبعض المتعطشين للسلطة والنفوذ.
الخطاب الصادر من الجمهورية الإيرانية لا يزال متعجرفًا رغم الجراح العميقة التي سببتها عودة الحرب إلى الواجهة مع الولايات المتحدة، وهو يعكس الشخصيات التي تمسك بزمام الدولة وتتحكم بقرارها الدولي.
الهجمات والتهديدات
تزامن عنتريات السياسة الإيرانية مع تصاعد في العنف؛ فقد فتح الحرس الثوري فوهة نيرانه ضد دولة الكويت ومملكة البحرين والأردن، وأوعز لجماعة أنصار الله الحوثية المتطرفة في اليمن بممارسة إرهابها في مضيق باب المندب بدلًا من هرمز الذي تسيطر عليه القوات الأمريكية، ليصبح ذلك بمثابة الورقة المحروقة في ملفات الابتزاز الإيرانية.
هذا التطور لم يكن مفاجئًا للمتابعين؛ فبعد تصفية رموز النظام من الصف الأول والثاني والثالث في الحرب الأولى التي شنتها واشنطن وتل أبيب، بات النظام يعيش مأزقًا عميقًا أخرجته ككيان هزيل، لذا لم يعد يملك أي وسيلة للهروب أو تغطية واقعه إلا باللجوء إلى الهمجية النارية التي تستهدف الدول المذكورة، وأيضًا لصرف النظر عن انكشاف زيف سردية الثورة التي أنفق عليها مليارات الدولارات في خطط التوسع المذهبي والأيديولوجي عبر تغذية الأذرع المتطرفة، مقابل حرمان الإنسان من مقدرات بلاده الاقتصادية.
التداعيات الداخلية والخارجية
القناعة تؤكد أن الحقيقة لا بد أن تظهر مهما تم إخفاؤها؛ ف apesar من ممارسة التغييب الممنهج للصورة الداخلية عن العالم الآخر، تمكنت التسريبات من كسرها وتجاوزها، وكشفت عن امتعاض شعبي كبير من سياسيات رجال الدولة الذين ساهموا بوضع البلاد على قوائم الرجعية وفقدان أبسط مقومات الحياة الكريمة.
هذا الغضب ظهر على شكل تجمعات فرح في مناسبات حزينة ومؤلمة كما روج مؤخرًا؛ برأيي، إنه مبرر ويستند إلى سؤال منطقي: ما مكتسبات المواطن الإيراني من منهجية وأدبيات الثورة التي مضى عليها أكثر من أربعة عقود في بقعة تملك مقومات رهيبة؟ الجواب: لا شيء.
أعتقد أن محاولات صانع القرار الإيراني – أعني الحرس الثوري كونه المتحكم في السياسة الإيرانية وبمفاصل الدولة وقرارها الخارجي – لم تعد مجدية، سواء فكر بمحاصرة المنطقة من الجهة الشرقية ممثلة في دولة الكويت والبحرين، أو الجنوبية بالاعتماد على جماعة الحوثي التي أقدمت على تهديد بعض السفن في البحر الأحمر خلال الأيام القليلة الفائتة أثناء عبورها باب المندب الحساس الذي يعتمد عليه العالم لتمويله بالطاقة وعناصر الحياة.
هذا القول ليس تنظيرًا أو تخيلات، بل له ارتباط أساسي بتشنجات الخطاب الإعلامي التي ارتفع رتمها مؤخرًا؛ يقول محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني الأربعاء الماضي «إن معادلة هذه الحرب واضحة. إما الجميع.. أو لا أحد».
ما تفسيرات ذلك؟ أتصور أن حديث الرجل بهذا الأسلوب، وخاصة أنه صادر عن شخص كان فيما مضى ذا موثوقية إلى حد ما، ووضع كمفاوض أو صاحب قرار – شكلي – وند للقوة العظمى في العالم؛ يعطي دلالات بأنه مكبل بالقوة الجبرية، ولا سبيل له سوى تنفيذ ما تملي عليه الطغمة المتطرفة الحاكمة، أي العسكر المتشددون.
وإن كانت رسالته توحي بأن التصعيد قادم لا محالة، ونظرًا للأهداف المحددة يبطن جهلا سياسيا إيرانيا واضحًا؛ أولًا: المواقع الحيوية التي قصفت لا علاقة لها بحربها القائمة מול واشنطن؛ ثانيًا: لو افترضنا أن الهجمات طالت قواعد أمريكية فهي تخضع لاتفاقيات دفاعية لا هجومية؛ ثالثًا: تجاوز البروتوكولات المبرمة بين الكويت وأمريكا، وهي دفاعية، ربما يقود إلى عدم الاكتراث لاتفاقيات بين طهران وموسكو، مثل المعاهدة الإيرانية الروسية الشاملة التي وقعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره مسعود بزسشكيان يناير العام الماضي 2025، والتي تتضمن مجالات دفاعية مشتركة بين البلدين، أو مثلا التزامها مع الصين بنقل المعدات العسكرية بعيدًا عن كونها التفافًا على العقوبات المفروضة على طهران.
رابعًا والأهم: الطلعات الجوية التي دكت مواقع إيرانية حساسة أقلعت من السفن والبارجات الأمريكية المرابطة بمياه الخليج، وهي على مرمى حجر من منصاتها الصاروخية؛ أليس من الأجدر استهدافها بدلًا من التفاخر بقصف منفذ كويتي يقع على الحدود المتاخمة للعراق أو قاعدة موفق السلطي شمال الأردن!
إن استعداء إيران لدول الخليج يضعها في موضع الميليشيا لا الدولة التي تسعى لإحراق المنطقة ومن فيها، ويستحيل الوثوق بها؛ ثم إنها تقدم خدمات جليلة لأجندات تل أبيب وحكومة بنيامين نتنياهو التي تعمل منذ سنوات على شيطنتها إيران، وهي في الواقع كذلك.
يصعب تحول الجمهورية لدولة طبيعية يمكن مجاورتها بأمان وسلام طالما أنها محكومة من متشددين يقتاتون على الهوس الديني والعقائدي وكثير من مفاهيم الكراهية.
وأقول: لن تخدمها رسالة العربدة، الجميع.. أو لا أحد.





