الرئيسية›عربي و عالمي›بعد استعادة كيدال في مالي: هل...
عربي و عالمي

بعد استعادة كيدال في مالي: هل يفسح القتال المجال أمام الحوار السياسي؟

26/10/2026 11:06

أعلن الجيش المالي في السادس من أكتوبر 2026 دخوله مدينة كيدال الاستراتيجية الواقعة شمالي البلاد، وذلك بعد أن أعلنت جبهة تحرير أزواد انسحابها منها، لتنتهي بذلك فترة سيطرة استمرت نحو ستة أشهر. وكان مقاتلو الجبهة، إلى جانب مسلحين من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، قد شنوا هجمات واسعة في أبريل 2026 تمكنوا خلالها من السيطرة على كيدال التي تبعد 1500 كيلومتر عن العاصمة باماكو. وفي سياق تلك الهجمات، استُهدف مقر إقامة وزير الدفاع ساديو كامارا بمدينة كاتي قرب باماكو بسيارة مفخخة يقودها انتحاري، واندلع اشتباك أصيب خلاله الوزير وتوفي لاحقاً متأثراً بجروحه، في ضربة قوية للمجلس العسكري الحاكم.

قراءات مختلفة للانسحاب الاستراتيجي

وقد وصفت جبهة تحرير أزواد انسحابها من كيدال بأنه “استراتيجي ومضبوط”، واعتبرته “إجراء عملياتياً مؤقتاً” يهدف إلى الحفاظ على قدراتها البشرية واللوجستية، وأرجعت القرار إلى الضغط الذي شكلته العمليات الجوية التي نفذها الجيش المالي بدعم من شركائه الروس. ودخلت القوات المالية وشركاؤها الروس المدينة دون قتال، فيما أعلنت باماكو تعزيز وجودها فيها تمهيداً للعودة التدريجية للإدارة والخدمات العامة. ويثير هذا الانسحاب دون مواجهة مباشرة تساؤلات حول دلالاته العسكرية والسياسية، وما إذا كان يمهد لعودة المسار التفاوضي أم يعكس إعادة تموضع استعداداً لجولة جديدة من القتال في شمال مالي.

وفي هذا السياق، قال خبير في الشأن المالي يقيم في باماكو، مفضلاً عدم كشف هويته لدواع أمنية، في تصريحات لوكالة الأناضول: “باماكو أصبحت آمنة الآن ومستقرة وخطوط الإمداد عادت تعمل في وضع طبيعي”. وأضاف أن أحداث الشمال في كيدال وغيرها لا تأثير لها في الوضع الحالي رغم أن الجيش يتكبد خسائر كبيرة، مؤكداً أن الاتفاق مع الجزائر كان له تأثير في استقرار العاصمة وحصر المعارك في الشمال. ويرجح الخبير أن تكون هناك “أجندة سياسية متفق عليها تقضي بإجراء انتخابات وتسليم السلطة لجهة منتخبة”، كما يرجح أن يكون تراجع أزواد من كيدال متفقاً عليه من خلال العودة إلى خطوط تماس قديمة، مستدلاً على ذلك بخروج جبهة تحرير أزواد دون قتال.

الجبهة تؤكد مواصلة القتال

من جانبه، قال الناطق باسم جبهة تحرير أزواد محمد المولود رمضان في اتصال مع الأناضول: “انسحابنا من كيدال محكم ومنظم ومجرد عملية استراتيجية”، مضيفاً أن لديهم استراتيجية بإخلاء كيدال والنظر في أمور أخرى، وأن الانسحاب متعلق بأمور عسكرية بحتة. واعتبر أن مستقبل دولة مالي مشروط بإيجاد حلول عادلة للقضية الأزوادية، وأن عدم الاستقرار سيستمر ما لم توجد حلول تلبي تطلعات الشعب الأزوادي، مردفاً: “نحن في حرب والمعارك ستستمر”. وشدد على ضرورة إيجاد حلول للقضية، خاصة سياسية تتعلق بحق الشعب الأزوادي في تقرير المصير.

دعوات لعودة الحوار السياسي

أما أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر عمار سيغة، فقال في حديث للأناضول إن ما تشهده أزمة مالي من تطورات بعد عودة جبهة تحرير أزواد إلى خطوط التماس القديمة يطرح عدة تساؤلات وتفسيرات، أبرزها يتعلق بالحل السياسي الذي يمكن اعتباره قريباً من خلال التطورات الميدانية التي أثبتت أن التكلفة باهظة للمقاربة العسكرية، مشيراً إلى الخسائر البشرية. وأضاف أن المقاربة العسكرية أصبحت على المحك، بالإضافة إلى وجود ضغوط إقليمية ودولية من خلال لعب الجزائر دوراً مهماً في رعاية اتفاق السلم والمصالحة. ولفت إلى أن الاتفاق جاء ضمن مسار رعته الجزائر لإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، وتغليب مقاربة الأمن والاستقرار في منطقة الساحل من خلال الحوار السياسي واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.

وتابع سيغة أن هناك تطورات أخرى من خلال دخول الأزمة مرحلة مفصلية وبوادر الانفراج السياسي باتت أكثر طرحاً، مشيراً إلى عودة التفاوض لإيجاد مخارج سياسية، باعتبار أن جبهة تحرير أزواد ما زالت تتمسك بمطالبها المتعلقة بالتنمية وإنشاء مشاريع اقتصادية من شأنها تخفيف الفقر وتحسين الظروف الاجتماعية. ووفق سيغة، فإن السيناريوهات مفتوحة لكل الاحتمالات، والعودة للعمل المسلح واردة إذا فشل أي تفعيل جديد لاتفاق الجزائر 2015. ونبه إلى أن الطرفين، جبهة تحرير أزواد والجيش المالي، قد يستغلان الهدوء “لتنظيم الصفوف وتأمين خطوط الإمداد في العمق الصحراوي، تحسباً لأي سيناريوهات محتملة”.

اتفاق 2015 المعلق وآفاق المستقبل

يذكر أنه في عام 2015 تم التوقيع على “اتفاق السلم والمصالحة في مالي” بوساطة رئيسية من الجزائر بين الحكومة المالية وجماعات مسلحة شمالي البلاد، وتضمن الاتفاق ترتيبات لدمج مقاتلين سابقين في مؤسسات الدولة ومعالجة قضايا سياسية وأمنية وتنموية في شمال مالي. وفي يناير 2024، أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي “إنهاء” الاتفاق “بأثر فوري”. وفي هذا السياق، يرى سيغة أن انسحاب القوات الأزوادية من كيدال يفتح فرصاً حقيقية قد تساهم في إحياء المسار التفاوضي وتغليب المقاربة السياسية، وهو ما قد يحول الملف من نبرة عسكرية تصادمية إلى منطق التوافق الشامل والحوار، مضيفاً أن الانسحاب يؤكد أن القيادة الأزوادية لا تزال تحافظ على المرونة اللازمة التي تمكن من تجسيد تطلعات القبائل والمكون الاجتماعي للمنطقة بما يكفل الوحدة والاستقرار في مالي.

بدوره، يعتبر الباحث الموريتاني في شؤون دول الساحل والصحراء محمدن أيب أيب أن انسحاب جبهة تحرير أزواد سيفتح أمامها علاقات جديدة وآفاقاً عسكرية وأمنية جديدة في حوض نهر النيجر وبحيرة تشاد وإقليم أزواد. ويذكر أيب للأناضول أن دخول جيش مالي إلى كيدال جاء بعد التقارب الجزائري المالي، لكنه يرى أن دخول المدينة لا يعني نهاية الحرب، لأنه أمام حيز جغرافي يمتد إلى حدود الجزائر ومنطقة تودن (نحو 1200 كيلومتر شمال باماكو)، وهي صحراء واسعة قاحلة لا أثر فيها للوجود المالي. ويوضح أن الانسحاب جاء بسبب الغطاء الجوي الذي وفره الروس للجيش المالي، ويتوقع أنه لن يكون هناك استقرار إلا بغلبة السلاح أو العودة إلى المفاوضات بين جبهة تحرير أزواد ومالي، ويلفت إلى أن الجبهة انسحبت ودخل الجيش دون قتال، إلا أن الحديث عن استقرار في مالي بعيد المنال الآن.

وتطلق تسمية “أزواد” على منطقة جغرافية واسعة في شمال مالي تضم مكونات سكانية وإثنية متعددة، منها الطوارق والعرب والفولاني والسونغاي، ويعد الطوارق من أبرز مكوناتها، ويتميزون بثقافتهم الأمازيغية ولغتهم التماشقية. وتبلغ مساحة أزواد نحو 822 ألف كيلومتر مربع من إجمالي مساحة مالي البالغة نحو 1.24 مليون كيلومتر مربع، وتمتد شمالي البلاد بمحاذاة الحدود مع الجزائر وموريتانيا والنيجر.