بعدسة جزيئية.. العلماء يردّون عقارب الزمن 60 عاماً في خلايا مسنّة

تمكّن فريق من العلماء من إعادة برمجة خلايا مأخوذة من شخص يبلغ من العمر 80 عاماً، لتكتسب خصائص جزيئية مشابهة لخلايا شخص لم يتجاوز العشرين من عمره. هذا الاكتشاف يثير تساؤلات عميقة حول إمكانية عكس بعض آثار الشيخوخة على المستوى الخلوي.
خلية تعود إلى العشرينيات بعد 60 عاماً من الزمن
في دراسة جديدة قادها علماء من جامعة بون الألمانية، تبين أن “الخلايا السلفية” لكريات الدم الحمراء – وهي خلايا بيولوجية غير متمايزة تشبه الخلايا الجذعية في قدرتها على الانقسام وتوليد أنواع معينة من الخلايا – عندما تخضع لنوع من “إعادة التدريب الوظيفي” عبر إعادة البرمجة الخلوية، تستطيع استعادة خصائص جزيئية أكثر شباباً. ونشرت الدراسة في المجلة العلمية المتخصصة “Aging Cell”، وأظهرت أن هذه العملية أعادت العمر الجزيئي لبعض الخلايا إلى الوراء بأكثر من 60 عاماً.
وأوضح عالم الأحياء العصبية أوليفر بروستله من جامعة بون، وهو المؤلف الرئيسي المشرف على الدراسة، في بيان صحفي: “ركزنا في دراستنا الحالية على ظاهرة مختلفة، وهي ملاحظة أن الخلايا تصبح أكثر شباباً بصورة ملحوظة أثناء عملية إعادة البرمجة”. وأضاف: “نعلم أيضاً أن هذا التجديد فوق الجيني يضمن أن الخلايا تتصرف بالفعل مثل الخلايا الشابة”، وفقاً لما نقلته وسائل إعلام.
طريقة جديدة تتجاوز المرحلة الوسيطة
في سنة 2024، أجرى بروستله وفريق سابقة استخدم فيها عوامل النسخ – وهي بروتينات تتحكم في تشغيل الجينات وإيقافها – لتحويل خلايا الدم إلى خلايا جذعية عصبية مستحثة، ووجدوا أن الخلايا الناتجة استطاعت النضج بنجاح داخل الكائن الحي. لكن في الدراسة الجديدة، اتبع الباحثون مساراً مختلفاً، إذ تجاوزوا المرحلة الوسيطة بالكامل مستخدمين فيروساً لإيصال اثنين من عوامل النسخ إلى الخلايا، بهدف تحويل خلايا الدم مباشرة إلى خلايا جذعية عصبية.
وبعد 12 يوماً فقط، بدأت الخلايا السلفية للدم تكتسب خصائص تشبه الخلايا الجذعية العصبية المستحثة. ورصد الفريق التغيرات باستخدام تقنيتين أساسيتين: تحليل مثيلة الحمض النووي لقياس التغيرات الكيميائية المرتبطة بتنظيم نشاط الجينات والعمر البيولوجي، وتسلسل الحمض النووي الريبي لدراسة نشاط الجينات والتغيرات أثناء التحول.
تجديد تدريجي يعيد الشباب خطوة بخطوة
وأوضح بروستله أن الطريقة الجديدة تختلف عن الأساليب التقليدية لأنها تسمح بإعادة برمجة الخلايا مباشرة من دون المرور بمرحلة الخلايا الجذعية متعددة القدرات. وقال: “على النقيض من ذلك، حولنا خلايا الدم مباشرة إلى خلايا جذعية عصبية، أي من دون المرور أولاً بمرحلة الخلايا متعددة القدرات”. وتابع: “في طريقتنا، حدث التجديد الخلوي بصورة تدريجية، وكان بالإمكان تتبعه على مدى أكثر من 100 يوم”. وأشار إلى أن هذا التجديد البطيء يمنح العلماء فرصة أفضل لفهم الآليات المسؤولة عن استعادة الخلايا لخصائصها الشابة. وفي غضون 50 يوماً فقط، سجل الباحثون تراجعاً في العمر الجزيئي للخلايا بنحو 60 عاماً، وفقاً لما أظهرته الساعة الجزيئية التي تقيس العمر البيولوجي عبر تتبع التغيرات الكيميائية في الحمض النووي المرتبطة بالشيخوخة.
تأثيرات وظيفية واعدة رغم القيود
لم يقتصر تأثير إعادة البرمجة على المؤشرات الجزيئية، بل لاحظ العلماء أيضاً تغيرات في السلوك الوظيفي للخلايا، حيث أظهرت الخلايا التي خضعت لإعادة البرمجة انخفاضاً في السمية المرتبطة بالميتوكوندريا – وهي أجزاء داخل الخلايا مسؤولة عن إنتاج الطاقة، وتعد اضطراباتها من ظواهر الشيخوخة. كما وجد الباحثون أن عملية تجديد الخلايا استمرت حتى عندما جرى تثبيط تكاثرها، مما يشير إلى أن استعادة الخصائص الشابة لا تعتمد بالضرورة على الانقسام، بل يمكن أن تحدث من خلال التغيرات المرتبطة بإعادة البرمجة نفسها.
ورغم هذه النتائج الواعدة، فإن الدراسة لا تثبت القدرة على عكس شيخوخة الإنسان بأكمله. فالنتائج تتعلق بخلايا خضعت لإعادة البرمجة في ظروف تجريبية، وليس بعلاج ثبتت فعاليته لدى البشر. كما أن استعادة المؤشرات الجزيئية الشابة لا تعني بالضرورة استعادة جميع وظائف الخلايا أو إزالة كل الأضرار المتراكمة مع التقدم في العمر. ومع ذلك، قد تسهم هذه النتائج في تطوير أساليب جديدة لدراسة الأمراض العصبية التنكسية المرتبطة بالتقدم في العمر، وربما علاج بعضها مستقبلاً.





