الرئيسيةمحلياتوزير الشؤون الإسلامية يدشن التقويم الدعوي...
محليات

وزير الشؤون الإسلامية يدشن التقويم الدعوي لعام 1448 هـ لتعزيز العمل المؤسسي والوسطية

01/08/2026 01:01

أطلق وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، التقويم الدعوي للعام الهجري 1448، في خطوة تتجاوز الإعلان عن برنامج إداري أو خطة زمنية، لتؤكد انتقال العمل الدعوي في المملكة من الارتجال إلى الإحكام، ومن الجهد الفردي إلى المؤسسية، وتوحيد المقاصد بدلاً من تفرق الجهود، وبناء دقيق للأداء بدلاً من العفوية. ويشكل هذا التقويم دستوراً للمنابر، وميثاقاً للدعاة، وميزاناً للخطاب، وبوصلة للمقاصد، جامعاً لا مفرقاً، هادياً لا منفراً، بانيًا لا هادماً، يربط الحاضر بالمبدأ الذي قامت عليه الدولة: كتاب الله وسنة رسوله، ومنهج السلف الصالح، والوسطية البعيدة عن الإفراط والتفريط.

مئات الموضوعات وآلاف البرامج… نبض أمة لا أرقام

يضم المشروع مئات الموضوعات، وعشرات الأيام العلمية، وآلاف البرامج، ومئات الآلاف من المحاضرات والدروس والكلمات والرسائل، وهي ليست مجرد أرقام في سجل، بل كما يصفها الوزير: نبض أمة، وأنفاس دعوة، وخطوات رجال، وسهر ليالٍ، وجهود مؤسسات، لتقول إن الكلمة الطيبة لا تزال تؤتي أكلها، وإن منابر الخير تنبض بالحياة. فكم من قلب أثقلته الشبهات أيقظته موعظة، وكم من عقل حاصرته الظنون حرره درس، وكم من شاب كادت تجرفه أمواج الغلو ردته كلمة صادقة إلى الاعتدال، وكم من أسرة أعادت إليها رسالة دعوية معنى السكينة بعد اضطرابها. تلك ثمار لا تُحصى بالإحصاءات، لأنها مكتوبة في صحائف القلوب قبل تقارير المؤسسات.

الوسطية حقيقة تُعاش لا شعار يُرفع

أعظم ما يشرق في هذا المشروع أنه يجعل الوسطية حقيقة معاشة لا شعاراً مرفوعاً، والاعتدال منهجاً يربى عليه الناس لا عبارة تتردد في الخطب. فالوسطية في الإسلام ليست منزلة بين طرفين فحسب، بل هي كمال الاستقامة، وعدل الميزان، واستقامة الفطرة، والوقوف حيث أوقف الله، دون تجاوز بالغلو أو تقصير بالتفريط. وفي زمن ازدحمت فيه المنصات واختلطت الأصوات وكثرت الدعوات المتزينة بلباس الدين وهي أبعد ما تكون عن هديه، برزت الحاجة إلى خطاب علمي راسخ ينطلق من أصول الشريعة ويفقه الواقع ويخاطب الإنسان بلغة الحكمة، كحاجة الأرض إلى المطر والقلوب إلى النور.

المساجد منارات ناطقة ورسالة المملكة العالمية

من هنا تظهر قيمة التقويم، إذ يجعل الدعوة بناءً متكاملاً تتآزر فيه المنابر وتتساند البرامج وتتحد الرسائل، فلا يبقى في الخطاب اضطراب ولا في المقاصد اختلاف ولا في الوسائل تناقض. فإذا تكلم الخطيب، أو درس العالم، أو وعظ الداعية، أو أرسل الموجّه رسالته، كان الجميع يصدرون عن أصل واحد وغاية واحدة ورسالة واحدة. والمساجد التي شرفها الله بأن تكون بيوته في الأرض لم تُبن لتكون جدراناً صامتة، بل منارات ناطقة تشع منها الهداية كالنور من الشمس، وتفيض السكينة كالماء من العين الصافية. فإذا عُمِرت بالعلم الصحيح والذكر الحكيم والوعظ الرشيد، أصبحت حصوناً للأمن ومرافئ للطمأنينة ومدارس تُخرّج الرجال قبل الحفاظ والخطباء. والمملكة العربية السعودية، بشرف خدمة الحرمين الشريفين، لم تنظر إلى الدعوة كشأن محلي، بل كرسالة إسلامية كبرى، تستمد شرفها من شرف الدين، ولذلك كانت عنايتها بالعلم الشرعي والمساجد والدعاة والبرامج العلمية والدعوية امتداداً لرسالتها في خدمة الإسلام وتعظيم شعائره ونشر قيمه القائمة على الرحمة والعدل والحكمة والاجتماع.

وهكذا تمضي القوافل لا تحمل تجارة الأرض بل تجارة السماء: القرآن إلى الأسماع، والعلم إلى العقول، والإيمان إلى القلوب، والسكينة إلى النفوس. فإذا مرت في قرية أيقظت منابرها، وإذا نزلت بمدينة أضاءت محاريبها، وإذا خاطبت إنساناً ردته إلى ربه رداً جميلاً. وما أجمل الأعمال إذا لبست ثوب الإخلاص، وما أعظمها إذا زانها الإتقان، فإن الله لا يبارك في كثرة خلت من الصدق، ولكنه يبارك في عمل أُريد به وجهه، فأصبح وإن قل في أعين الناس كثيراً في ميزان السماء. المشاريع الدعوية لا تخلد بكثرة أوراقها، بل بما تتركه من أثر في النفوس، وما تغرسه من يقين، وما تبنيه من إنسان، وما تحققه من أمن فكري ووحدة صف واجتماع كلمة. وفي الختام، يبقى شرف الدعوة إلى الله تاجاً لا يعلوه تاج، ووساماً لا يدانيه وسام، لأنها وظيفة الأنبياء وسبيل المصلحين وطريق العلماء العاملين. فمن وفقه الله لخدمتها وأعانه على حمل أمانتها، فقد ساق الله إليه نعمة لا يحيط بها وصف، وأجراً لا ينقضي بانقضاء العمر، بل يمتد ما امتد أثر الكلمة في قلب مؤمن أو عقل مهتدٍ أو جيل نشأ على الهدى.