الرئيسيةمحلياتحمام الحرم المكي بين الرحمة والضبط
محليات

حمام الحرم المكي بين الرحمة والضبط

06/07/2026 01:00

في شوارع مكة المكرمة، لا يمر أحد دون أن يلفت انتباهه تجمع كثيف من الحمام يطير ثم يستقر بين الناس، كأنه جزء لا يتجزأ من مظهر المدينة، لا يقل بريقه عن المآذن أو المساجد.

تاريخ الحمام في مكة

هذا المشهد لا يُعد حديثاً؛ فقد رافق أهل مكة وزوارها لأجيال طويلة. سُميًّا أحياناً بـ«حمام الحمى» أو «حمام رب البيت»، وتناقلت القصص حول أصله. بعضها يربطه بطيور استقرت على غار جبل ثور في زمن الهجرة، مستندين إلى قول الإمام السيوطي، بينما يربطه آخرون بطيور الأبابيل. وقد سجّل المؤرخ المحلي محمد طاهر الكردي رؤيته لوقوف الحمام على ميزاب الكعبة، كما أن أوقاف في دول إسلامية مختلفة خصصت إيراداتها لإطعام طيور الحرم، ما يدل على عمق مكانتها الرمزية في الوعي الإسلامي.

الأحكام الشرعية المتعلقة بالحمام

لا يمكن للذاكرة الشعبية أن تُهمل، لكنها لا تعلو على نصوص الشريعة. فقد ورد في الحديث النبوي أن صيد أو تنفير طيور الحرم محظور: «إن هذا البلد حرمه الله؛ لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده». وهذا التحذير يخص صيد الحيوانات داخل حدود الحرم، دون إضفاء قدسية خاصة على طائر معين. وعند مناقشة قتل حمام الحرم، استند الفقهاء إلى آية «يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم»، معتبرين ذلك حمايةً للطيور لا توسيعاً لتفسير خاص.

التحديات الراهنة لتكاثر الحمام

رغم الروابط التاريخية والروحية، أصبح عدد الحمام في المناطق المركزية والميادين كبيراً ومتزايداً. يشتكي بعض السكان من تعشيش الطيور على النوافذ والأسطح، ما يدفعهم لاستخدام أساليب بدائية أو الاستعانة بشركات متخصصة للحد من الانتشار، خشية الوقوع في مخالفات دينية إذا تسببت في إزعاج. كما تُجبر فرق النظافة على غسل الأرصفة يومياً لإزالة براز الطيور، ويضيف بائعو الحبوب العشوائيين غذاءً يسهم في تكاثرها. وقد بادرت أمانة مكة إلى إنشاء أبراج ومواقع مخصصة لإيواء الحمام في بعض المناطق، إلى جانب توجيه المواطنين بعدم إلقاء بقايا الطعام في الشوارع.

بين العاطفة والمسؤولية

قضية الحمام في مكة لا يمكن اختزالها في صراع بين التقديس والنفي، ولا بين محبة أو خصومة. إنها مزيج من المشاعر الفردية وتأثيرها على المجتمع، مع إدراك أن مكة ليست مجرد مدينة عادية بل وجهة عالمية تستدعي عناية خاصة بصحة النظام والبيئة الحضرية. إن العبادة في هذه المدينة تتطلب توازناً بين النية الصالحة والاعتبار العملي للآثار، فحماية المصلحة العامة تسبق أي تصرف قد يسبب ضرراً. لذا، لا يُقصد من ضبط سلوك إطعام الحمام تقليص الرحمة، بل الحفاظ على مصلحة الجميع، مع الإبقاء على احترام الحرم وفق النصوص، وتقدير الذاكرة الشعبية دون تحويلها إلى قاعدة شرعية، مع معاملة الطيور برفق دون الإضرار بالإنسان.