الاحتكار المهني يعرقل بناء منزل المواطن في ظل انخفاض أسعار الأراضي

يُعَدّ بناء المنزل في كثير من الأحيان مسارًا مليئًا بالصعوبات؛ إذ يواجه صاحب المشروع عمالة غير مؤهلة، مواد ذات جودة منخفضة، تأخيرات في المواعيد، أسعار مبالغ فيها، ومحاولات تحايل قد تلازم المشروع من بدايته وحتى نهايته. وفي حال نجح أحدهم في تجاوز هذه العقبات، قد يواجه خصمًا خفيًا يسعى إلى إفساد جزء من العمل أو تعطيله، وذلك عبر إتلاف الأساسات أو العبث بأنظمة المياه والصرف.
تراجع أسعار الأراضي وتفاقم ممارسات السوق
بعد عقود من الانتظار نتيجة الارتفاع الشديد لقيم الأراضي، استطاعت الدولة أخيرًا كبح مسار الأسعار، وشهد السوق انخفاضًا متتالياً أعاد الأمل إلى شريحة واسعة من المواطنين. غير أن هذا الانخفاض ألقى بظلاله على مرحلة أخرى من المشروع، حيث ارتفعت جرأة بعض الفاعلين في قطاع التشييد والبناء، فأصبح المواطن والمقيم على حد سواء هدفًا لممارسات تستنزف الوقت والمال والعصبية.
الاحتكار غير المعلن وتوزيع المهن على شبكات مغلقة
من أبرز العوامل التي تُفاقم هذه الأزمة هو ما يشبه الاحتكار غير المعلن، حيث تُقسم المهن والأنشطة إلى دوائر مغلقة ترتبط بانتماءات محددة. فمثلاً، تتولى فئة معينة توريد البلاط، بينما تتحكم فئة أخرى في سوق العزل، وتُخصص فئات أخرى للحدادة والسباكة والكهرباء، وكل قطاع يملك وساطته ومساراته التي يصعب اختراقها.
المستهلك في مواجهة شبكة مصالح مغلقة
يُدخِل صاحب المشروع معلوماته إلى السوق بعد أشهر من جمعها؛ يحمل في يده ما جمعه من سنوات كدّ وادخار، وفي يده الأخرى ملفات تحوي المخططات والكميات والمواصفات والأسعار وأسماء الموردين. يظن أن هذه المعرفة ستحصنه وتمنحه قوة تفاوض، لكنه يكتشف أن جزءًا كبيرًا من السوق لا تحكمه قواعد المنافسة فحسب، بل تُسيطر عليه أيضًا شبكات مصالح مغلقة، فيظل المستهلك الحلقة الأضعف.
تحذيرات علماء الاجتماع السياسي من تحول النجاح إلى احتكار
سبق لعلماء الاجتماع السياسي أن حذروا من أن المشكلة لا تنشأ عندما ينجح قطاع أو فئة مهنية في نشاط معين، بل عندما يتحول هذا النجاح إلى احتكار، أو عندما تُستغل الخبرة للسيطرة على السوق والمعلومات واتخاذ القرار. عندها لا يتضرر فرد واحد فقط، بل يصبح المجتمع بأسره أسيرًا لواقع ترتفع فيه الأسعار، وتدنى فيه الجودة، وتضيق فيه فرص المنافسة العادلة.
ولا يُقصد باللوم إلقاؤه على جنسية أو فئة محددة؛ فالباحث عن المصلحة سيفعل ما تسمح به البيئة المحيطة به. إن المسؤولية تعود إلى بيئة تسمح بتشكل تكتلات مغلقة وسوق يضيق بالمنافسة ويتسع للاحتكار.
إن أخطر أشكال الاحتكار ليس احتكار السلعة، بل احتكار المهنة نفسها. عندما تُحصر بعض الأنشطة في دوائر مغلقة تدور حول جنسية واحدة أو شبكة مصالح واحدة، تتراجع المنافسة، وتُعطَّل آليات السوق، ويُجبر المستهلك على الانخراط في لعبة يعرف جميع المشاركين قواعدها إلا هو.
ومن هذا المنطلق، لا يكفي تعزيز الرقابة فقط؛ بل يجب تفكيك التكتلات المهنية المغلقة، وإتاحة المجال أمام منافسين جدد من جنسيات تُعرف بتميزها والتزامها، وتمكين الكفاءات الوطنية من المناصب الإشرافية، وجفاف منابع الاحتكار أينما وُجدت. فالسوق العادل لا يبنى على الانتماءات، بل على الكفاءة، الجودة، والسعر المناسب.
يبقى السؤال قائمًا: بعد أن نجحنا في كبح ارتفاع أسعار الأراضي، متى سنتمكن من إيقاف عجلة الاحتكارات التي تعترض طريق المواطن نحو بيت العمر؟





