خبير في الصناعة العسكرية يدعو لمواكبة التحولات التكنولوجية في الحروب الحديثة

في مقال جديد حول واقع الصناعة العسكرية السعودية، استعرض الكاتب عدة محاور رئيسية تتعلق بالتحديات التي تواجه القطاع في ظل التغيرات الدراماتيكية التي تشهدها طبيعة الحروب وأدواتها. وأشار الكاتب إلى أن ثقة العاملين والمتخصصين في القطاع تمثل دافعاً مهماً للاستمرار في الكتابة، خاصة مع تلقي ردود كثيرة من المختصين الذين يقدرون المعرفة العميقة وغياب الأجندات الخفيفة.
وأوضح الكاتب أن شغفه بالصناعة العسكرية بدأ قبل عقود، رغم أن مجال عمله اليومي يختلف عنها، لكنه تحول مع الوقت إلى عادة يصعب التخلص منها، مستشهداً بالمثل: «قالوا فكّه، قال ما يفكّني!». وأضاف أن تعيين الوزير بندر الخريف قائداً جديداً للهيئة العامة للصناعات العسكرية كان أحد الأسباب التي دفعته للكتابة مجدداً، من باب النصيحة الواجبة للمسؤول، مشيراً إلى أن الخريف ليس غريباً عن القطاع، بل هو ابن الصناعة، وكان عضواً فاعلاً في مجلس إدارة الشركة السعودية للصناعات العسكرية «سامي».
تغير جذري في طبيعة الحروب
رفض الكاتب العودة إلى السرد التاريخي لمراحل الصناعة العسكرية السعودية، مفضلاً التركيز على المرحلة الحالية. وأكد أن العالم يعيش مرحلة تغيير دراماتيكي في طبيعة الحروب وأدواتها لم يشهد مثيلاً له منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يقتصر التغيير على نوع السلاح فحسب، بل امتد ليشمل الإستراتيجيات والتكتيكات وطريقة إدارة المعركة وسرعة تطوير الأسلحة واتخاذ القرار. وأشار إلى أن أسلحة كانت تمثل أساساً في الحروب التقليدية أصبحت اليوم أقل أهمية، بل إن بعضها أصبح قريباً من مفهوم التقادم (Obsolete) في بعض السيناريوهات.
وبيّن الكاتب أن الحرب الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والصواريخ فرط الصوتية وأنظمة الدفاع الجوي الطبقية والمتعددة والاستشعار المتقدم والحرب الإلكترونية وتحليل البيانات والأنظمة الذاتية. وضرب مثالاً بالحرب الروسية-الأوكرانية، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة جزءاً أساسياً من العمليات العسكرية، ويتم إنتاجها واستهلاكها بأعداد هائلة بالملايين، أكثر من عدد الجنود وبمعدلات يصعب مقارنتها بالنمط التقليدي لتصنيع الأسلحة.
دورة حياة السلاح تتغير
أكد الكاتب أن الثورة التقنية العسكرية لا تغير الأسلحة فقط، بل تغير دورة حياة السلاح نفسها. ففي السابق، كان إدخال منظومة سلاح جديدة إلى الخدمة يتطلب سنوات طويلة من الدراسات والمناقصات والتجارب والاختيار والتعاقد والتوريد والتدريب، وقد يستغرق استبدالها بنظام آخر سنوات طويلة وربما عقداً كاملاً. أما اليوم، فقد أصبح التطوير أسرع بكثير، حيث قد يتم تعديل المواصفات وتغيير البرمجيات وإضافة قدرات جديدة أو حتى إعادة تصميم أجزاء من المنظومة أثناء استخدامها الحالي في الميدان، وهو ما يشكل نقاشاً حامياً بين المؤسسات العسكرية ومراكز الفكر الدفاعي.
وأوضح أن العلاقة بين المستخدم والمصنع أصبحت أكثر ديناميكية، فالسلاح لم يعد منتجاً تنتهي قصته عند تسليمه، بل يجب أن يكون منصة قابلة للتحديث المستمر، معتبراً أن هذا تحول إستراتيجي يجب أن ينعكس مباشرة على مفهوم توطين الصناعة العسكرية.
أولوية التقنيات الحديثة على الأرقام
شدد الكاتب على أن الوصول إلى نسبة مهمة وفعالة من توطين التقنيات الحديثة التي تستخدمها الحروب الحالية قد يكون أهم من الوصول رقمياً إلى 50% من توطين صناعات عسكرية تقل أهميتها بمرور الوقت، وقد يصبح بعضها غير ذي جدوى في الحروب الحديثة. وقال إن الهدف ليس تحقيق نسبة على الورق، بل امتلاك القدرة العسكرية والصناعية والتقنية المناسبة للحروب الحالية التي يحتاجها الأمن الوطني مستقبلاً.
وأشار إلى أن بعض المعدات والمنظومات الكبيرة والمكلفة أصبحت فائدتها العملياتية في بعض السيناريوهات أقل مما كانت عليه سابقاً أو شبه معدومة، بينما قد تكون تقنيات أقل حجماً وأكثر مرونة، مثل الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والاستشعار والأنظمة الذاتية، أكثر تأثيراً في ساحة المعركة. ودعا إلى عدم قياس نجاح التوطين فقط بعدد المصانع أو حجم الإنفاق المحلي، وإنما بالقدرة على امتلاك التقنية والمعرفة والمرونة وسرعة التطوير والإنتاج.
دعوات لإعادة هيكلة الهيئة ومراجعة أداء «سامي»
أعرب الكاتب عن اعتقاده بأن الهيئة العامة للصناعات العسكرية تحتاج إلى إعادة هيكلة وتجديد للدماء والأفكار بصورة مستمرة، معترفاً بأن هذا الرأي قد يزعج البعض، لكنه شدد على أن المصلحة العليا أهم من إرضاء الأشخاص. وأوضح أنه لا يقصد بالضرورة تغييراً جذرياً في الهيكل، وإنما يحتاج القطاع إلى عقليات قادرة على التفكير خارج النماذج التقليدية وفهم طبيعة الصناعة العسكرية الجديدة، وليس فقط إدارة ما كان قائماً في السابق.
وفيما يتعلق بشركة «سامي»، أشار الكاتب إلى أن وضعها لا يزال دون المأمول، رغم معرفته بأن الهيئة هي المنظم والمشرع بينما «سامي» شركة صناعية وتجارية ذات دور مختلف. وأوضح أن الشركة دخلت خلال السنوات الماضية في دورات متعاقبة: بدأت بمرحلة مذكرات التفاهم، ثم مرحلة غياب البوصلة الواضحة، ثم مرحلة عدم وضوح المسار والرسالة. وأعرب عن اعتقاده بأن استمرار هذا الوضع يجعل الشركة تدخل في حلقة مفرغة من عدم الوضوح.
ولاحظ الكاتب أنه في كل معرض أو مناسبة دولية، يكون لدى كل شركة دفاعية عالمية رسالة واضحة تريد إيصالها، أما «سامي» فلا توجد رسالة أو لا تستطيع فهم الرسالة، وعندما تكون الرسالة غير واضحة فإن المشكلة لا تكون في التسويق فقط، وإنما في الإستراتيجية نفسها. واقترح نموذج Tiers بحيث تكون «سامي» قائداً للقطاع، تعمل على بناء منظومة صناعية متكاملة حولها وتفتح المجال للشركات الصغيرة والمتوسطة للتخصص والنمو، بدل الدخول في منافسة مباشرة مع كل طبقات القطاع، مؤكداً أن الشركة القائدة يجب أن تكون مظلة ومحركاً للمنظومة، لا منافساً لكل من يعمل تحتها.
ضرورة وضع معايير حقيقية للدخول إلى القطاع
تناول الكاتب نقطة حساسة تتعلق بطبيعة الصناعة العسكرية، مؤكداً أنها ليست مجالاً لمن يبحث عن وجاهة أو أرباح سريعة أو «بريستيج». وأشار إلى أن شخصاً قد يكون ناجحاً جداً في العقار أو الأراضي ولم يسبق له أن أدار مصنعاً بسيطاً أو عمل في قطاع صناعي معقد، ثم يسمع أن أرباح الصناعات العسكرية كبيرة فيقرر فجأة الدخول في أحد أصعب القطاعات الصناعية في العالم.
وأوضح الكاتب أن الصناعة العسكرية ليست مصنعاً عادياً، بل هي نقطة تقاطع بين الصناعة والهندسة والتكنولوجيا والأمن والسياسة وسلاسل الإمداد واللوبيات والأسواق الدولية والأجندات الجيوسياسية. والفشل فيها لا يعني فقط خسارة مالية، بل قد يعني إهدار سنوات من الوقت والموارد، وفي بعض الحالات الإضرار بالمصلحة الوطنية. ودعا إلى إبعاد «المهايطة» عن هذا القطاع بطريقة عملية وراقية، ووضع معايير حقيقية للدخول والاستثمار والمنافسة، مؤكداً أن للحديث صلة.





