السعودية تضع الشباب في صلب استراتيجياتها التنموية بمؤشرات ديموغرافية واعدة

تولي المملكة العربية السعودية أولوية خاصة لتمكين الشباب في إطار مسيرتها التنموية، وهو ما يكتسب أهمية متزايدة في ضوء التركيبة السكانية للبلاد. فقد أظهرت البيانات أن نسبة السعوديين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً بلغت 69.4% من إجمالي السكان في عام 2024، فيما شكلت الفئة العمرية من 15 إلى 34 سنة ما نسبته 35.9%، موزعين بواقع 50.3% للذكور و49.7% للإناث. كما سجلت نسبة من تقل أعمارهم عن 35 سنة من إجمالي سكان المملكة 61.4%.
السياسة العامة للتنمية الشبابية
امتد تمكين الشباب عبر مسارات متعددة شملت التعليم والتأهيل وتطوير المهارات وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال وتوفير فرص العمل وزيادة المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب إعداد كوادر وطنية شابة لتولي المناصب القيادية. وتعوّل المملكة على الشباب لدعم الاقتصاد الوطني من خلال تهيئة بيئة مشجعة لرواد الأعمال لبدء مشاريعهم وتأهيلهم للمساهمة في نهضة البلاد.
وفي ديسمبر من عام 2025، أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السياسة العامة للتنمية الشبابية، والتي تُعد إطاراً وطنياً استرشادياً يعكس التزام المملكة بتنمية الشباب وتعزيز مشاركتهم الفاعلة في التنمية الاجتماعية. تهدف هذه السياسة إلى توحيد الجهود الوطنية وتحقيق أعلى درجات التكامل بين القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، بما يسهم في تطوير بيئة تنموية محفزة ومستدامة ويعزز قدرة الشباب على الإسهام في تقدم المملكة.
تتركز مجالات السياسة في التمكين الاقتصادي والمشاركة المجتمعية والتعليم والتعلم مدى الحياة والصحة والرفاه والهوية والانتماء الوطني، إلى جانب الحماية والسلامة والعدالة الاجتماعية وإتاحة المجال أمام الشباب للتعبير عن آرائهم والمشاركة في صناعة السياسات. كما تركز على تحديد إطار إستراتيجي للتنمية الشبابية وتوحيد الجهود نحو أهدافها.
وخلال مرحلة إعداد السياسة، أُجريت مقارنات معيارية مع 20 دولة رائدة في مجال تنمية الشباب، ونُظمت أكثر من 34 ورشة عمل، وعُقدت اجتماعات مع خبراء محليين ودوليين، ونُفذت استبانات ميدانية استهدفت أكثر من 11 ألف شاب وشابة من مختلف مناطق المملكة.
الاستثمار في رأس المال البشري والكفاءات الشابة
ارتبط التمكين أيضاً بإتاحة المجال أمام الشباب لتولي أدوار قيادية، حيث استفاد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز من خبراته في الحكم والإدارة لاختصار الخطى نحو تمكين الشباب من المناصب القيادية في الدولة. ويعكس ذلك الرهان على كفاءة المواطن السعودي ومهاراته القيادية والإدارية، إلى جانب ما حققه شباب سعوديون من إنجازات علمية على المستويين المحلي والعالمي.
وضعت رؤية السعودية 2030 بناء رأس المال البشري في قلب مسيرة التحول، مع التركيز على التعليم وتطوير القوى العاملة وتمكين الشباب وتوسيع الفرص المتاحة لهم عبر برامج التدريب المتخصصة والمبادرات الريادية والتدريب على رأس العمل وبرامج تطوير القيادة. وتبرز مؤسسة محمد بن سلمان «مسك» كمنصة لبناء المهارات وتطوير القيادة وترسيخ الفكر الريادي لدى الشباب السعودي من خلال برامج ومبادرات وشراكات مع مؤسسات تعليمية وبحثية عالمية. وفي عام 2025، استفاد من برامج ومبادرات المؤسسة أكثر من 524 ألف شاب وشابة.
تتجه برامج تطوير الشباب إلى مجالات مرتبطة بالقطاعات الواعدة مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية وريادة الأعمال والسياحة والإعلام والتصنيع المتقدم، بما يوفر التوجيه والإرشاد والتواصل المهني اللازم لدخول سوق العمل.
ويظهر الاهتمام ببناء القدرات من خلال الإنجازات العلمية التي حققها طلاب سعوديون في مسابقات دولية؛ إذ حصلت المملكة على 9 جوائز وميداليات دولية في أولمبياد الفيزياء الأوروبي 2026 وأولمبياد البلقان للرياضيات للناشئين 2026. كما حققت ميداليتين ذهبيتين وميدالية برونزية في أولمبياد البلقان للرياضيات، وميداليتين ذهبيتين و3 ميداليات فضية وميدالية برونزية في أولمبياد المعلوماتية لشمال إفريقيا، ونحو 5 جوائز دولية في أولمبياد الفيزياء الآسيوي في كوريا، ونحو 6 ميداليات دولية في أولمبياد الأحياء الدولي المفتوح في روسيا.
حصدت المملكة أيضاً 24 جائزة دولية في آيسف 2026، وتُوّجت بالمركز الأول في علم الأحياء الحسابي والمعلوماتية، مع الحفاظ على المركز الثاني للعام الثالث على التوالي. كما حقق طلاب سعوديون جوائز كبرى في معرض جنيف الدولي للاختراعات، في إنجاز يعكس تنامي قدرات الابتكار لدى الكفاءات الوطنية. ويمتد هذا التوجه إلى المجالات الإبداعية مع اعتماد تأسيس جامعة الرياض للفنون لاحتضان المواهب السعودية، وبشراكات مع كبرى المؤسسات العالمية بما يسهم في تشكيل جيل مبدع يقود نمو الاقتصاد الإبداعي.
ريادة الأعمال وأنماط العمل الجديدة
ارتبط تمكين الشباب بدعم ريادة الأعمال وتحفيز الطاقات الشابة على تأسيس المشروعات والمشاركة في الاقتصاد. تجاوز عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة 1.7 مليون منشأة في عام 2025 مقارنة بـ429 ألفاً في عام 2016، مما يعكس التقدم في تمكين ريادة الأعمال. امتد هذا التوجه إلى البيئة الجامعية من خلال صقل المهارات الريادية لدى الطلاب والطالبات والوصول إلى 300 نموذج عمل أولي ضمن برنامج تطوير ونشر ثقافة ريادة الأعمال والعمل الحر في 6 جامعات حول المملكة. كما أسهمت الحلول الرقمية في دعم ريادة الأعمال عبر خدمات لإنشاء المتاجر الإلكترونية وحلول للمدفوعات والشحن والتسويق.
توسعت أدوات التمكين في سوق العمل لتشمل التأهيل والتوظيف وأنماطاً حديثة للعمل. يأتي برنامج المحفزات الوظيفية للقطاع غير الربحي ضمن جهود تأهيل القوى العاملة، مستهدفاً توليد وظائف نوعية جاذبة والمحافظة على الكفاءات. كما برزت أنماط عمل تشمل العمل الحر والعمل المرن والعمل عن بعد، حيث يتيح العمل الحر إصدار وثيقة العمل الحر والاستفادة من الخدمات والمزايا، فيما يقوم العمل المرن على التعاقد بمرونة واحتساب الأجر على أساس الساعة، بينما يوفر العمل عن بعد بيئة عمل إلكترونية تتجاوز حواجز الزمان والمكان. شملت المسارات الوطنية أيضاً إطلاق منصة العمل التطوعي ومنصة العمل المرن في عام 2020، إلى جانب إصدار نظام العمل التطوعي.
أسهم دعم الاقتصاد الرقمي والعمل الحر في توسيع الفرص أمام فئات المجتمع. حققت الأسر المنتجة المدعومة من بنك التنمية الاجتماعية مبيعات تجاوزت 22.5 مليار ريال في عام 2025، ووفرت خدمات البنك فرصاً استفاد منها أكثر من 151 ألف عامل في قطاع الأسر المنتجة. كما استفاد أكثر من 80 ألف شخص من 600 ورشة عمل عبر برنامج «سفراء الادخار»، وشارك أكثر من 63 ألف متدرب في 245 ورشة لبرنامج «ثقافة العمل الحر والتدريب المتخصص»، فيما صدرت أكثر من 133 ألف شهادة لأسر منتجة.
مشاركة مجتمعية وحضور دولي
لا يقتصر التمكين على التعليم والعمل والاقتصاد، بل يمتد إلى المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي. تستهدف مبادرة العمل التطوعي تسهيل وصول المتطوعين إلى الفرص التطوعية والحصول على إشعارات وفق اهتماماتهم ورصد وتوثيق الساعات التطوعية وتوفير فرص تطوعية تخصصية ذات أثر اجتماعي واقتصادي. جرى تأسيس وتفعيل أقسام لإدارة التطوع في منظمات القطاع غير الربحي لتحديد الاحتياجات واستقطاب المتطوعين وتأهيلهم وتدريبهم ومتابعتهم وتكريمهم. تشمل مسارات المشاركة توفير مساحات شبابية تعزز الإبداع والتعبير الإيجابي ورفع الوعي بالمساحات والخدمات المقدمة للشباب، إلى جانب دعم الجمعيات الشبابية وتسهيل تأسيسها واستدامتها.
تتجاوز المشاركة حدود البرامج التنفيذية إلى حضور الشباب في صناعة السياسات عبر قنوات تضمن سماع آرائهم وتنظيم فعاليات لتعزيز الحوار والشراكة، وتوسيع حضورهم في مراحل صياغة السياسات. يشمل ذلك تعزيز دور الشباب في المجالس والجهات التي تشارك في وضع السياسات ورفع وعيهم بالفرص المتاحة للمشاركة. يشمل البناء الشبابي تعزيز الهوية والانتماء الوطني والقيم الدينية والاجتماعية ودعم ارتباط الشباب بوطنهم وتراثهم وثقافتهم. تتضمن السياسة جوانب للحماية والسلامة الاجتماعية والحد من الإيذاء والاستغلال وتعزيز آليات الرصد والإبلاغ والتوعية والوقاية ومكافحة التمييز والتنمر. يمتد ذلك إلى السلامة الرقمية عبر تعزيز الوعي بالمخاطر الرقمية ودعم الاستخدام الآمن للتقنية وتطبيق التشريعات والسياسات ذات الصلة. تركز مسارات العدالة الاجتماعية على إتاحة فرص أكثر عدالة للشباب في مختلف المناطق وضمان الوصول إلى الفرص والخدمات وتوفير فرص تعليمية وتدريبية وفرص عمل تتناسب مع احتياجاتهم.
تضم منظومة تمكين الشباب نحو 9 برامج ومجالات ومشاريع نوعية من بينها برنامج المحفزات الوظيفية للقطاع غير الربحي وبرامج الدعم والتمكين وبرامج دعم توظيف الشباب وبرامج دعم التعطل عن العمل وبرامج دعم التمويل للشباب وبرامج وزارة الرياضة وبرامج التأهيل والتدريب من الهيئة العامة للترفيه وبرامج وزارة السياحة لتدريب وتأهيل الشباب إضافة إلى الخدمات الإلكترونية والمبادرات الوطنية الأخرى. تشمل خيارات التوظيف منصتي «جدارة» و«ساعد» وبرنامج العمل الحر والعمل المرن والعمل عن بعد وخدمة «كفاءات» التي تربط الكفاءات الوطنية بفرص التوظيف.
اتسع حضور الشباب السعودي إلى الساحة الدولية بعد إطلاق مؤسسة محمد بن سلمان «مسك» في يوليو 2026 برنامج «وفد» لتمكين الشباب من المشاركة الفاعلة في المشهد الدولي وتمثيل المملكة رسمياً في كبرى المنصات والمحافل العالمية، وفي مقدمتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وقمة شباب البنك الدولي وغيرها من المنتديات والمؤتمرات ذات الأثر العالمي. منذ انطلاق البرنامج تحت مظلة «سلسلة الشباب العالمية»، مثّل أكثر من 200 شاب وشابة المملكة في أكثر من 25 فعالية ومنتدى دولياً، مع توفير تجربة ميدانية مكثفة تشمل النقاشات رفيعة المستوى والتفاعل مع صناع القرار والتعرف على بيئات السياسات الواقعية إلى جانب تدريب موجه يعزز جاهزية المشاركين.
تظهر المؤشرات الاقتصادية المرتبطة بمسار التمكين اتساع حضور القطاع الخاص والقطاعات الجديدة؛ إذ بلغت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي 51% في عام 2025، وبلغت مساهمة القطاعات غير النفطية أكثر من 55% من الناتج المحلي، فيما وصلت مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي إلى 22.9% متجاوزة المستهدف. بلغ معدل النمو غير النفطي 4.9% خلال 2025، ووصل عدد العاملين في الأنشطة السياحية إلى أكثر من مليوني شخص. انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 7.2% في 2025 مقارنة بـ12.3% في 2016، وإلى 6.4% في الربع الأول من 2026 مقارنة بـ7.2% في الربع الرابع من 2025.
تتصل فرص الشباب بالتحول التقني الذي شهدته المملكة، مع تصدرها المرتبة الأولى عالمياً في الجاهزية الرقمية لعام 2025، والمرتبة الأولى عالمياً في الأمن والخصوصية والتشفير وتمكين المرأة في الذكاء الاصطناعي وفق مؤشر معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2026، إلى جانب المركز الثاني عالمياً في جاذبية أسواق مراكز البيانات. كما يتسع حضور المدن الذكية والقطاعات التقنية والاقتصاد الإبداعي مع تسجيل 8 مدن سعودية حضورها في مؤشر IMD للمدن الذكية 2026، وتحقيق مكة المكرمة المركز الثالث عربياً والـ50 عالمياً.
يرتبط استمرار التحول بإعداد جيل من القادة والمفكرين يمتلك مهارات متقدمة تواكب متطلبات المستقبل، فيما تركز برامج تطوير القيادة في مؤسسة «مسك» على بناء جيل من القادة الشباب القادرين على المساهمة في الابتكار والتطوير عبر القطاعات المختلفة. تعكس المؤشرات العامة لمسار رؤية السعودية 2030 استمرار العمل نحو مستهدفاتها؛ إذ تحققت 93% من مؤشرات أداء الرؤية أو اقتربت من مستهدفاتها السنوية خلال 2025، واكتملت 225 مبادرة من أصل 1.290 مبادرة، بينما تسير 935 مبادرة وفق الخطط المعتمدة.
تمضي منظومة تمكين الشباب عبر مسارات متكاملة تبدأ من التعليم وتنمية المهارات وتمر بالتأهيل والعمل وريادة الأعمال وتمتد إلى الابتكار والمشاركة المجتمعية وصناعة السياسات والحضور الدولي، وتدعمها أطر للحماية والسلامة والعدالة الاجتماعية وتعزيز الهوية والانتماء. في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يتجسد دعم الشباب في إتاحة المجال أمام الكفاءات الشابة لتولي المسؤولية وتوسيع فرص المشاركة وبناء القدرات والاستفادة من الطاقات الوطنية في مختلف المجالات. بين الإنجازات العلمية والابتكارية والنمو المتسارع لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة وتنوع فرص العمل واتساع المشاركة المجتمعية والدولية، تتشكل ملامح جيل يمتلك أدوات المشاركة في الحاضر والاستعداد لقيادة المستقبل.





