الرئيسيةمحلياتالهابيتوس الصحوي: مفهوم ثقافي وتاريخي وتأثيره...
محليات

الهابيتوس الصحوي: مفهوم ثقافي وتاريخي وتأثيره على السلوك الجماعي

22/05/2026 03:01

يُعرَّف مصطلح “الهابيتوس” على أنه سلوك غير واعٍ يتجسد في الفهم والذوق وردود الفعل، وينبع من نمط فكري أو “بارادايم” يبدأ منذ النشأة ويُشكِّل نظرة الفرد إلى الحياة والمجتمع وموقفه منها. يُقصد بالبارادايم مجموعة مفاهيم مترابطة أيديولوجيًا، قد لا تكون مترابطة علميًا أو دينيًا، وتستمر في تشكيل المجتمع لسنوات طويلة لتتحول إلى هوية وجدانية وسلوكية تهيمن على اللاوعي وتنعكس على الوعي.

تحول البارادايم إلى هابيتوس وتأثيره المستمر

على الرغم من أن البارادايم قد يتبدل—كما حدث في موقف المجتمع من قيادة المرأة للسيارة—إلا أن الهابيتوس المتجذر في الوجدان حول ما هو مسموح أو محظور لا يزول فورًا، بل يظل قائمًا لسنوات، وأحيانًا لعقود، مفعلاً ضغوطًا قهرية على من يخالفه.

أمثلة توضيحية من الواقع

يمكن توضيح الفكرة من خلال مثال عملي: رجل يقيم في فندق فخم، وعند استلام الغرفة يكتشف لوحة فنية أنيقة على الجدار تُظهر صورًا لأرواح. يشعر بانزعاج غير مبرَّر، فيتوجه إلى إدارة الفندق طالبًا تغيير الغرفة أو إزاحة اللوحة. إذا لم تدرك الإدارة مفهوم البارادايم الذي يعيشه النزيل المصاب بالهابيتوس الصحوي، قد ترد عليه بعبارات مثل: “إنها مطبوعات كانفس لأعمال عالمية”، ما يضع النزيل في موقف يعكس صراعه مع الفنون، إذ قد يبرِّر نفسه بقول “الضرورات تبيح المحظورات” لكنه لا يقبل الصورة المعلقة.

في رحلاته اللاحقة، قد يلجأ هذا النزيل إلى إزالة اللوحة ووضعها مقلوبة داخل خزانة الفندق أو تحت السرير لتجنب أي إشكال دون إثارة ضجيج.

تجليات الهابيتوس في المواقف الدينية والثقافية

يتجلى الهابيتوس أيضاً في مواقف مختلفة مثل الانقسام في آراء الفقهاء حول أغاني أم كلثوم، أو تباين ما تُدَرِّسُه المدارس الفقهية عن الإمام الشافعي قبل وبعد مصر. من خلال هذا السياق، يُظهر أحد علماء المدرسة السلفية النجدية استخدام مصطلح “الضريح” بمعناه الحديث، ما يثير تساؤلات حول السبب في عدم اختيار مؤلف من القرن الثالث عشر الهجري (مكة المكرمة) لعنوان آخر غير “السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة”، متجاهلاً البارادايم السائد في زمنه، مما أسفر عن هابيتوس لا يستجيب لمفهوم “ضريح” كما هو متعارف عليه في التيار السلفي التقليدي المعاصر.

الهابيتوس الصحوي بين الأجيال

تشكل الجيل الذي نشأ منذ صغره داخل أيديولوجية الصحوة النواة الصلبة للهابيتوس الصحوي، إذ لم يعي الفترات التاريخية السابقة. يصف أحد الأفراد من مواليد 1973 تجربته الشخصية في صغره: كان يصلي مع والده في مسجد الحي، حيث كان يلتقي بأشخاص يمنيين يشاركونه الصلاة بلا تفرقة، كأن المسجد يجسد تنوع الحرم المكي. مع ظهور البارادايم الصحوي، تلاشت روح التسامح المذهبي، وتفاقمت الانقسامات الطائفية. لا يُعفي ذلك الجيل من مسؤولية بعض أعضائه الذين انتقلوا من زملاء الدراسة إلى مناصب إسلامية متطرفة، مشيرًا إلى حادثة مقتل مفتي تابع لداعش عام 2015 بحسب ما ورد في محرك البحث تحت عنوان “مقتل مفتي داعش 2015”.

في المقابل، يظهر جيل آخر أقل صلابةً؛ فقد نشأ مع انتشار القنوات الفضائية والإنترنت، ما جعله أقل حدةً من سابقيه. يُقَدِّم الكاتب هذا التحليل لتبسيط الفكرة وإيصالها بصورة عامة، مع التزامه بالدقة المنهجية التي تتطلبها أبحاث علم الاجتماع.

من يطرح سؤالًا حول خلط الصحوة بالإرهاب يتغاضى عن حقيقة أن أحد أبرز زعماء الصحوة المعروفين كان قد حثّ في فترة سابقة على دعم الإرهابيين، وعمل كوسيط بين وزارة الداخلية والجماعات المتطرفة. لا يُستعرض هنا تفاصيل هذا المشهد، لكنه يبرز التداخل بين الخطاب الصحوي والعمليات الإرهابية، مع الإشارة إلى أن بعض التيارات الصحوية ترفض تسمية من يقتل رجال الأمن بـ”الإرهابي” حفاظًا على مصطلحاتها الخاصة مثل “المجاهدين” أو “الاستشهاديين”.