ذكريات أبٍ رحل: مسيرة إنسانية بين العطاء والتعليم والإنسانية

تجددت في ذهن الكاتب صور أبيه بعد غياب دام أربعين يوماً، إذ استعاد الذاكرة طيفه من بين سُحب النسيان، فظهر في صورته الرائعة التي رافقته منذ صغره.
الغياب والحنين
لم يشعر الكاتب بأن الفراق قد انتهى أو أن هذه هي طبيعة الأمور، بل اعتقد أن الروح تنطلق إلى ملكوت الله وتتحرر من قيود الجسد. مرّت الأيام ببطء، ثم عادت الذاكرة لتستدعي طيف الأب، فتجلى في صورته التي حملت معه منذ فجر حياته.
صفات الأب وإنسانيته
وصف الكاتب أبيه بأنه صاحب همة عالية، صوته حنون، شيمته رفيعة، وحكمته بليغة، وبصيرته نافذة. كان متديناً سموحاً، صبورا في الأزمات، وحليماً عندما يغلب الغضب. عومل صغاره برفق منذ الصغر، وعاشوا في ظله وهم يختارون بين الذهاب إلى المدرسة أو البقاء، دون أن يزداد عدد الثمار من المثابرة ولا من غيابها.
كان الأب يحنو على أبنائه كأنهم لم يكبروا، ويرغب في مرافقتهم إلى محاضرات أو لقاءات أدبية لتلافي وحشتهم، لكنه كان يثنيهم عن ذلك خوفاً من عبء السفر أو تكاليفه.
تضحيات وإيثار
تنازل الأب عن بعض حقوقه لإرضاء أقاربه وتجاوز الخلافات، وكان يطمئنهم بعبارة: «ما تركت لله، سيبدلني الله خيراً منه». كما كرّر قوله المشهورة: «إن الله يصنع فيّ»، معبراً عن إيمانه بأن تدبير الله هو ما يجلب الخير.
كان بيته مفتوحاً للضيوف سواءً بحضوره أو غيابه، يكرم كل من طارق أو غريب أو عابر سبيل، ولا يذخر عنهم شيئاً. رغم دخلٍ قليل، كان البيت مباركاً بنوره وسماحته.
لم يكن الأب يأسى على فقدان متاع الدنيا؛ فكان المال في نظره قيمة ما يحققه من مكارم، ويسد به حاجات الآخرين. فكان يردد: «خير المال ما سد الفجر»، أي ما يُستَخدم في سداد الواجبات وتلبية الحوائج.
مبادرات تنموية وتعليمية
سعى الأب إلى فتح الطريق إلى قريته والقرى المجاورة رغم معارضة الكثيرين، وضحى بالجهد والمال لإيصال الكهرباء والسقيا، وتجديد المسجد وتوسيعه بطراز حديث. تبرع بإحدى مزارعه لإقامة برج للاتصالات دون مقابل، فكان عطاءه لا يحده مصلحة شخصية.
عَمِل على تعليم القرآن في ثلاث معالم، وعند افتتاح المدارس الحكومية أودع أبنائه لدى أصدقائه في بلدات بعيدة للالتحاق بها. كما سعى إلى إنشاء مدارس للبنات، مقنّعاً الأهالي بضرورة تعليم بناتهم، ورافق أخواته إلى معهد للمعلمات، متحملًا مشقات التنقل حتى تخرجن ليصبحن أول ثلاث معلمات سعوديات في مدرستهن الأولى.
غادر بيته وقريته ليرافق أمه في رحلة علاج استمرت ثمانية أشهر من مدينة إلى أخرى، من مستشفى إلى آخر، قائلاً: «أعلم أن مرافقتي لكم في الأسفار تزيد الأعباء، لكنني أجد في مرافقتها تسلية لها وطمأنينة لي».
في مرحلة لاحقة تخلى عن بيته وقريته ليستقر في المدينة قرب أبنائه، مبرراً ذلك بقول: «أكره أن أشق عليهم أو أجّر عليهم العقوق». تحمل المرض سنوات طويلة صابراً ومُعِيناً لأسرته، مخفياً ألمه لينعموا بالسكينة، وقد قال مرة: «لقد استبطأت الموت ولكني أكره أن تجزعوا».
الخاتمة والذكرى
الغياب يجلو طيف الأب في الذاكرة، فتتسارع مشاعر الفقد وتغمر الذكريات بجمال الصور وكرم الشيم ومواقف النقاء. يخلد الكاتب دعاءه: «رحمة الله على من كان بنا رحيمًا، وإحسانه على من كان محسنًا، وكرمه على من كان كريمًا، ولطفه على من كان لطيفًا بالأيتام والغرباء والمساكين».





