الرئيسيةالرياضةأزمة العقلية في الكرة السعودية: هل...
الرياضة

أزمة العقلية في الكرة السعودية: هل المهارة وحدها لا تكفي؟

لا أحد يشكك في الموهبة الكروية السعودية. فتاريخ الكرة في المملكة حافل بلاعبين قدموا مهارات فنية لافتة، وقدرات فردية مميزة، وذكاءً تكتيكياً مكنهم من المنافسة على أعلى المستويات. كما أن التطور البدني واللياقي أصبح واضحاً في السنوات الأخيرة، حيث تستثمر الأندية بشكل متزايد في الإعداد البدني والطب الرياضي والتغذية بطريقة أفضل مما مضى. ومع ذلك، تبقى النتائج في المباريات الكبرى والحاسمة دون مستوى الطموحات، ولا تعكس حجم الإمكانات الحقيقية.

المشكلة ذهنية قبل أن تكون فنية

في تقديري، المشكلة الأساسية تكمن في الجانب الذهني وليس الفني أو البدني. اللاعب السعودي يمتلك الموهبة والجاهزية البدنية بلا شك، لكنه يجد صعوبة كبيرة في المباريات الثقيلة أو أمام المنتخبات الكبرى. هناك تفاوت واضح بين أداء بعض اللاعبين في المباريات الودية أو تلك التي تقل فيها حدة الضغط، وبين ظهورهم في البطولات الكبرى أو اللقاءات المصيرية. وكأن اللاعب نفسه يتحول إلى شخص آخر، رغم أن موهبته لم تتغير ولياقته البدنية هي ذاتها، ورغم أن المدرب والمنظومة المحيطة به لم تتغير أيضاً.

التجربة نفسها تتكرر

لنفترض مثلاً أن المنتخب السعودي واجه منتخباً كبيراً وتكبد خسارة ثقيلة في بطولة رسمية، ثم التقى بالفريق نفسه بعد بضعة أشهر في مباراة ودية. في الغالب، نلاحظ مستوى مختلفاً تماماً. اللاعب نفسه يصبح أكثر جرأة، وأكثر تحرراً، وأكثر قدرة على إظهار إمكانياته الحقيقية. هذا الفارق يدفعنا إلى التفكير في العامل النفسي بوصفه متغيراً أساسياً في الأداء.

الاحتراف يبدأ من العقل

الاحتراف الحقيقي لا ينطلق من القدم، بل من العقل. العقلية الاحترافية ليست مجرد شعار أو حديث إعلامي، بل هي بناء طويل يمتد منذ الفئات السنية. اللاعب المحترف لا يُصنع عند سن الخامسة والعشرين، بل يبدأ تكوينه النفسي منذ الطفولة. فهو يتعلم كيف يتعامل مع الضغوط، وكيف يستجيب للفشل، وكيف يبني ثقته بنفسه، وكيف يحافظ على تركيزه في أصعب الظروف، وكيف يطبق التكتيكات ويفهمها ويفكر في الملعب أثناء تنفيذها. هذه كلها أساسيات كرة القدم الحديثة.

حين تخون الموهبة تحت الضغط

هذه المهارات الذهنية لا تأتي بالمصادفة، بل تحتاج إلى تدريب وتأسيس وتطوير مستمر. ولهذا نرى كثيراً من اللاعبين الموهوبين يفقدون جزءاً كبيراً من قدراتهم في اللحظات الحاسمة، ليس لأن الموهبة اختفت، بل لأن الضغط النفسي أصبح أكبر من قدرة العقل على التعامل معه. علم النفس الرياضي اليوم يؤكد أن الجانب النفسي يؤثر بشكل مباشر في اللياقة والموهبة والأداء البدني. فاللاعب الذي يدخل المباراة وهو خائف أو متردد أو فاقد للثقة لا يستطيع الوصول إلى كامل طاقته. وعندما يشعر الدماغ بالخطر، فإنه يوجه الجسم إلى حالة من التأهب المستمر، ويزيد التوتر والانتباه للخوف بدلاً من التركيز على الأداء، وهنا تحدث حبسة الموهبة.

ولهذا يشعر بعض اللاعبين بإرهاق شديد في المباريات الكبرى رغم جاهزيتهم البدنية العالية. لا تكمن المشكلة في العضلات أو اللياقة، بل في الدماغ الذي يعيش حالة ضغط مستمرة. فالخوف ونقص الثقة والتفكير السلبي لا تحبس الموهبة فقط، بل تقيد الجسد نفسه وتمنعه من العمل بكفاءته المعتادة. اللاعب السعودي لا تنقصه الموهبة، وربما لا تنقصه اللياقة أيضاً، لكنه يحتاج إلى بناء عقلية احترافية قادرة على إخراج هذه الموهبة تحت الضغط. لأن الفرق بين اللاعب الجيد واللاعب العالمي ليس دائماً في المهارة، بل في القدرة على إظهار هذه المهارة واستخدامها في اللحظات الحاسمة تحت الضغط.