اللايك بين الإعجاب الحقيقي والضغط الاجتماعي: قراءة في رمزية القبول الرقمي

تستحضر إحدى الصديقات موقفاً حين نشرت مقطعاً أدبياً، وكانت تتطلع إلى ردود فعل إيجابية وإعجاب واسع. لكنها فوجئت بحزن شديد عندما أخبرتني أن المقطع لم يحصل إلا على ثلاثة إعجابات فقط، وكأن قيمة النص الأدبي لا تقاس بجماله بل بعدد اللايكات التي يجمعها.
اللايك: بين الدعم الحقيقي والمجاملة الاجتماعية
لا يعني هذا المقال التقليل من أهمية الدعم، بل هو قيمة إنسانية عظيمة يمكنها تحويل لحظة الانكسار إلى بداية جديدة، وتحويل الإنجاز إلى لحظة تاريخية. وقد لفتني وصف جميل للدعم بأنه “همسة دافئة، ويد تصفق حين نصل للطريق”. لكن المفارقة تكمن في الفرق بين الدعم كسلوك مقصود وردة فعل واضحة، وبين اللايك كرمز وإشارة وعادة اجتماعية نتعامل معها يومياً.
حقيقة اللايك: انعكاس لحالة المتلقي لا لجودة المحتوى
عند النظر في جوهر اللايك، نجده إشارة رمزية تصل إلى دماغ الإنسان وتخلق لديه مشاعر الفرح والبهجة والفخر تجاه السلوك الذي قدمه ولقي إعجاباً. هذه الآلية واقعية تفرضها المراقبة والمتابعة لقياس السلوك المرغوب. لكن، من زاوية أخرى، يشبه اللايك الابتسامة العابرة من شخص عابر، والتي قد تمنحك بهجة لكنها لا تعني بالضرورة معرفة أو علاقة أو اهتماماً حقيقياً. إنه ظل سريع يعكس مزاج المتلقي أو انتباهه في لحظة معينة، وهذا ما يحدث مع المنشورات والأخبار والآراء والمقالات والصور والمقاطع وحتى الأفكار. فحصولنا على اللايك أو عدمه لا يقيس جمال تلك المواد أو جودتها أو فشلها، ولا يعبر عن تأييدها أو معارضتها.
تفاوت المشاعر: عندما يصبح اللايك مرآة للذات
المعنى البارز يكمن في تفاوت شعور الناس عند حصولهم على اللايك. فمنهم من يرونه دعماً حقيقياً، وآخرون يعتبرونه مجاملة اجتماعية، والبعض يعلق قلوبهم به حتى يصبح مرآة لهم. هنا يبدأ الاختلاف في الفهم، وتنشأ كثير من الخلافات والإحباطات لأنهم منحوه سلطة أكبر من حجمه، وجعلوه مقايضة على المشاعر وقياساً لقيمتهم في عيون الآخرين. وفي هذا السياق، تبرز مقولة الجاحظ الجميلة: “من أراد أن يرضي الناس كلهم، فليس إلى ذلك سبيلا”، وكأن لسان حاله يقول لنا: مهما كثرت اللايكات فلن ترضي الجميع، ولن تكون من خلال حصد اللايكات أكثر صدقاً أو أعمق أثراً أو أكثر جاذبية.
اللايك والمتلقي: علاقة متقلبة تحتاج إلى إعادة نظر
الجانب الآخر من حقيقة اللايك أنه يتعلق بالمتلقي وليس بالموضوع أو الفكرة. فهو رمز للمزاجية والرغبات والاهتمامات، وكذلك الحالة الشعورية الحالية، بالإضافة إلى العلاقة القائمة بين المتلقي وصاحب الموضوع أو الفكرة. ولذلك يتفاوت شعور واضع اللايك أيضاً، فقد يكون تقديراً صادقاً منه، أو مجاملة اجتماعية، وربما مجرد عادة أو نقرة سريعة بلا تفكير، أو حتى تصفية حساب ورد للحقوق السابقة حين لا يضع اللايك.
نحن لا ننكر أن اللايك جميل في لغته الصامتة ورمزيته الغامضة والشعور الذي يخلقه، لكنه يبقى ناقصاً إذا لم يرافقه تعليق صادق أو حوار حي أو تغذية راجعة تدغدغ عقولنا فتستنير، وتلامس قلوبنا فتضحك. لذلك، الأجمل أن نعيد له حجمه الطبيعي، ويبقى “إشارة دعم، لا شهادة قيمة”.





