الرئيسيةاقتصادأسعار النفط تتأرجح بين تراجع التوترات...
اقتصاد

أسعار النفط تتأرجح بين تراجع التوترات الجيوسياسية وضغوط التضخم العالمية

30/06/2026 09:01

يشهد سوق النفط الخام حالياً مرحلة دقيقة تتخطى في أهميتها مجرد التفاعل مع الأحداث الجيوسياسية اليومية، حيث أصبح أكثر تشابكاً مع العوامل السياسية والاقتصادية والنقدية والاستثمارية مجتمعة. وترى رانيا جول، كبيرة محللي الأسواق في XS.com لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن التهدئة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تمثل تطوراً إيجابياً للأسواق العالمية، لكنها لا تعني نهاية حالة عدم اليقين المحيطة بأسواق الطاقة.

وتشير جول إلى أن المستثمرين يدركون هشاشة الاتفاقات السياسية في منطقة الخليج وقابليتها للتغير السريع، وهو ما يفسر استمرار وجود علاوة مخاطر ضمن تسعير النفط حتى مع انحسار احتمالات تعطل الإمدادات بصورة فورية. وترى أن رد فعل الأسواق الحذر وارتفاع الأسعار المحدود يعكس قراءة عقلانية للمشهد أكثر من كونه موجة تفاؤل كاملة.

المحادثات حول مضيق هرمز ورسالة الطمأنة

برأي جول، فإن استئناف المحادثات المتعلقة بمضيق هرمز يمثل رسالة طمأنة للأسواق أكثر من كونه ضمانة لاستقرار طويل الأمد. فهذا الممر البحري لا يزال أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على تكلفة النقل وأسعار النفط والتأمين البحري. إلا أن الأسواق تعلمت في السنوات الأخيرة ألا تبالغ في تسعير المخاطر الجيوسياسية إلا عندما تتحول إلى تهديد مباشر للإمدادات الفعلية.

ولاحظت جول أن ارتفاع أسعار خام برنت والخام الأمريكي والخام العماني عقب الإعلان عن خفض التصعيد يعكس توازناً دقيقاً بين ارتياح المستثمرين من جهة واستمرار الحذر من جهة أخرى.

الطلب العالمي وسياسات أوبك+ محور النصف الثاني من العام

ترى جول أن العامل الأكثر تأثيراً خلال النصف الثاني من العام لن يكون التطورات السياسية وحدها، وإنما العلاقة بين مستويات الطلب العالمي وسياسات الإنتاج التي تقودها الدول المنتجة، وفي مقدمتها تحالف أوبك+. وتشير إلى أنه إذا استمرت المنظمة في اتباع سياسة إدارة المعروض بصورة مرنة، فستنجح في الحفاظ على توازن السوق ومنع حدوث انهيار كبير في الأسعار، حتى لو تباطأ النمو الاقتصادي العالمي. وفي المقابل، فإن أي زيادة غير محسوبة في الإنتاج قد تضغط على الأسعار، خاصة إذا تزامنت مع ضعف النشاط الصناعي في الاقتصادات الكبرى.

البيانات الاقتصادية وأسعار الفائدة تهيمن على الأسواق

تعبر جول عن اعتقادها بأن الأسواق أصبحت تقلل تدريجياً من تأثير الأخبار الجيوسياسية قصيرة الأجل بينما تمنح اهتماماً أكبر للبيانات الاقتصادية ومؤشرات التضخم وأسعار الفائدة. فارتفاع النفط لم يعد يعتمد فقط على المخاطر الأمنية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على وتيرة نمو مستقرة. وإذا استمرت البنوك المركزية في تبني سياسات نقدية متشددة لفترة أطول، فسيؤثر ذلك على الاستهلاك والاستثمار، وبالتالي على الطلب العالمي على الطاقة، مما قد يحد من أي موجات صعود قوية في أسعار النفط.

الذكاء الاصطناعي يفرض قيوداً جديدة على العرض

تلفت جول الانتباه إلى ما أشار إليه بنك نيويورك بشأن ظهور قيود جديدة على جانب العرض مرتبطة بالاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي. فالتركيز ينصب غالباً على الطلب باعتباره المحرك الأساسي للأسعار، بينما يغفل كثيرون أن التوسع العالمي في مراكز البيانات وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية يتطلب استثمارات رأسمالية هائلة ويرفع الطلب على المعادن والطاقة والكهرباء وسلاسل الإمداد الصناعية. وهذا يعني أن الضغوط التضخمية قد لا تختفي بسهولة حتى مع تراجع المخاطر الجيوسياسية، لأن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة جديدة من الإنفاق الاستثماري الكثيف الذي سيخلق طلباً إضافياً على الموارد.

ترى جول أن الأسواق قد تكون متفائلة أكثر من اللازم بشأن قرب انتهاء دورة التضخم العالمية. فصحيح أن انخفاض حدة التوترات في الخليج يخفف الضغوط على أسعار الطاقة، إلا أن استمرار الإنفاق الحكومي والخاص على مشاريع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى جانب القيود المفروضة على بعض سلاسل التوريد، قد يؤدي إلى إبقاء معدلات التضخم أعلى من المستويات التي تستهدفها البنوك المركزية. وهذا بدوره قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو سيناريو يحمل انعكاسات مباشرة على حركة الدولار وأسواق السلع وفي مقدمتها النفط.

وتنصح جول المستثمرين بعدم الاكتفاء بمتابعة الأخبار السياسية، بل بالنظر إلى الصورة الكلية للأسواق. فأسعار النفط اليوم أصبحت نتاج تفاعل معقد بين السياسة النقدية والاستثمارات الصناعية والتغيرات في الطلب العالمي وسلوك المنتجين وحركة الدولار الأمريكي. وبالتالي، فإن بناء توقعات مستقبلية اعتماداً على عامل واحد فقط قد يؤدي إلى قرارات استثمارية غير دقيقة. فالأسواق الحديثة أصبحت أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية طويلة الأجل مقارنة بردود الفعل اللحظية تجاه الأحداث السياسية.

توقعات الأسعار بين 70 و80 دولاراً للبرميل

على صعيد التوقعات، ترى جول أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار تداول أسعار النفط الخام ضمن نطاق يتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل خلال المدى القريب، مع ميل واضح نحو الاستقرار الإيجابي، ما لم تحدث تطورات جيوسياسية جديدة أو تغيرات مفاجئة في سياسة الإنتاج العالمية. وإذا استمرت التهدئة الحالية في الخليج بالتزامن مع تحسن الطلب الآسيوي، فقد نشهد محاولات لاختبار مستويات أعلى، إلا أن تجاوز هذه المستويات بصورة مستدامة سيحتاج إلى محفزات اقتصادية قوية تتجاوز مجرد انخفاض المخاطر السياسية.

في المقابل، لا تستبعد جول حدوث موجات تصحيح هابطة إذا تبين أن الاقتصاد العالمي يتباطأ بوتيرة أكبر من المتوقع، أو إذا استمرت أسعار الفائدة المرتفعة في الضغط على النشاط الاقتصادي العالمي. لذلك ترى أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة اتجاه سعري حاد، وإنما مرحلة تقلبات محسوبة داخل نطاقات سعرية واضحة، وهو ما يتطلب من المستثمرين التركيز على إدارة المخاطر أكثر من السعي وراء تحقيق مكاسب سريعة.

سوق النفط يدخل مرحلة جديدة

في النهاية، تعتقد جول أن الرسالة الأهم التي تقدمها التطورات الأخيرة هي أن سوق النفط دخل مرحلة جديدة تختلف عن الدورات السابقة. فلم يعد النفط يتحرك فقط تحت تأثير الصراعات أو قرارات المنتجين، بل أصبح جزءاً من معادلة اقتصادية عالمية ترتبط بالتحول الرقمي والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والسياسات النقدية والتغيرات في هيكل الاقتصاد العالمي. ولهذا تميل توقعاتها إلى بقاء أسعار النفط مدعومة خلال الأشهر المقبلة، ولكن ضمن مسار متوازن تحكمه البيانات الاقتصادية أكثر مما تحكمه العناوين السياسية، مع استمرار حالة الحذر التي ستظل السمة الرئيسية للأسواق حتى تتضح صورة النمو العالمي والتضخم بصورة أكبر.