الرئيسيةكتاب و آراءالنفقة الزوجية: ضوابط الكفاية وآفاق التوسع
كتاب و آراء

النفقة الزوجية: ضوابط الكفاية وآفاق التوسع

28/06/2026 01:03

تعد مسألة النفقة الزوجية من أكثر القضايا إثارة للجدل بين الأزواج، ليس بسبب إنكار أصل الحق، بل بسبب تباين التصورات حول حدوده وتفاصيله. فقلما نجد زوجاً يجحد وجوب الإنفاق على أسرته، أو زوجة تنكر مسؤولية زوجها المالية، لكن الخلاف يظهر عندما يحاول كل طرف تحديد معالم هذا الحق. بعض الناس يرى أن النفقة تقتصر على الطعام والملبس والمسكن، بينما يعتبرها آخرون شاملة لكل احتياجات الزوجة ورغباتها. وهذان الطرفان يوسعان دائرة الخلاف ويعددان صور النزاع.

أسس الكفاية والمعروف في الفقه الإسلامي

لم يضع الفقه الإسلامي للنفقة قائمة ثابتة من البنود تصلح لكل عصر ومصر، بل ربطها بمبدأي الكفاية والمعروف. فالنفقة كما يعرفها الفقهاء هي “كفاية الزوجة طعاماً وكسوة ومسكناً وتوابعها”، وتشمل وفق نظام الأحوال الشخصية: الطعام، والكسوة، والسكن، والحاجيات الأساسية بحسب العرف. هذه المفردات لا تحصر النفقة في الضروريات المجردة، ولا تفتح الباب على مصراعيه، بل تجعل المعيار تحقيق الكفاية وفق العرف السليم. ويستند هذا إلى حديث هند بنت عتبة حين شكت بخَل زوجها أبي سفيان، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”. فجعل المعيار هو الكفاية والضابط هو المعروف، وهما أصلان عظيمان في فهم النفقة وتحديد حدودها.

الاجتهادات المعاصرة في تطبيقات النفقة

من أهم مزايا الاجتهادات الفقهية الحديثة إعادة النظر في بعض تطبيقات النفقة في ضوء الأحوال والأعراف المتجددة. فعلى سبيل المثال، أدرج عدد من الفقهاء العلاج ضمن الحاجات التي تدخل في النفقة، لأن المرض أمر لا يكاد يخلو منه أحد، والعلاج من المستلزمات المعتادة التي تتوقف عليها سلامة الإنسان واستقرار أسرته. كما نظروا في مسألة الخدمة المنزلية، فربطوها بالعرف والحال والقدرة المالية؛ فإذا كانت الزوجة ممن جرى العرف بخدمة مثلها، وكان الزوج موسراً، فإن توفير من يعينها أقرب إلى مقتضى المعاشرة بالمعروف. كذلك فإن مستلزمات ومستحضرات الزينة للزوجة اعتبروها من توابع النفقة في حدود المعتاد، مما يدفع عنها التبذل ويحقق لها المظهر اللائق دون إلزام الزوج بالدخول في دائرة المبالغة والكماليات. فهناك فرق بين ما أذن به وما تنازل عنه أو لم يتنازل، وبين الحاجة المعتادة والتحسين، وبين ما يطلب على سبيل الوجوب أو الفضل.

بين العدل والفضل نحو استقرار الأسرة

لا شك أن استقرار الأسرة لا يتحقق بكثرة المطالبات أو بالاكتفاء بالحد الأدنى، بل بمعرفة كل طرف لحقوقه وواجباته ثم إضافة شيء من الفضل والإحسان. ولعل من الحكمة أن يسأل الإنسان نفسه من وقت لآخر: هل أتحدث عن حق قررته الشريعة أو حق جرى به العرف، أم عن رغبة أرجو تحقيقها؟ فليس كل مرغوب حقاً واجباً، كما أن ليس كل ما يطلب خارجاً عن دائرة الحقوق، خاصة أن الزوج قد يرى أنه أدى ما عليه وفق قدرته، بينما ترى الزوجة أن احتياجات معتبرة لم تدخل في حساب زوجها. وكل طرف صادق في شعوره من وجهة نظره، والخلاف ليس في أصل الحق، بل في تقدير حدوده. وختم الكاتب بأن الشريعة عندما أمرت بالعدل لم تكتف به، بل دعت إلى ما هو أوسع وأبقى أثراً وهو الفضل. وبين الكفاية بالمعروف والإحسان المتبادل تنمو الأسرة وتستقر وتقترب من المعنى الذي أراده الله لها سكناً ومودة ورحمة.