الرئيسيةعربي و عالميالتوترات العراقية-السعودية وحفلات الردح المجنونة
عربي و عالمي

التوترات العراقية-السعودية وحفلات الردح المجنونة

01/08/2026 19:01

السياق التاريخي والاجتماعي

للعراق صور كثيرة وماضيه مليء بالجروح والمؤامرات؛ رسم جزءا من تاريخ المنطقة المظلم. الطرق معبدة بالألغام والقنابل وله ذكرى خاصة مع الانقلابات على الداخل وعلى العروبة. المستقبل مجهول ولا بصيص أمل آخر النفق.

حين انقلب صدام حسين على أحمد حسن البكر في 1979 تغير وجه المنطقة. وعندما قرر تحت جنح الظلام الانقضاض على دول الخليج بافتعال الخصومة مع الكويت وغزوها عام 1990 دخل العرب فصلا جديدا من العلاقة. كانت عينه على نفط الخليج وليس الاكتفاء باقتطاع جزء من جغرافيته.

بغداد ارتبطت بالدم؛ دخلت القوات الأمريكية وأزاحت نظام القائد الأوحد. ولدت حركات متطرفة؛ مرغت فيما بعد أنوف بعضها بقوة الطائفة والسلاح.

تناوب على إدارة البلاد شخصيات عديدة. برأيي جميعها امتلكت صلاحيات مطلقة لكنها لن تستطيع إلغاء المذهبية التي يدخل في إطارها التطرف والسلاح المنفلت المؤدّان لتحويل الدولة من طبيعية إلى خارجة عن القانون والأعراف؛ بإضفاء غطاء سياسي على الميليشيات التي ربطت سلاحها بعوامل دينية لاكتساب شرعية شعبية لا أكثر.

التطورات الأمنية الأخيرة

على مدى سنوات مضت عانت دول الخليج على رأسها المملكة التي مارست أقصى أنواع الحلم والصبر الاستراتيجي من وجود جماعات متطرفة على حدودها الشمالية. السؤال: لماذا صبرت على كل ذلك؟ لأن السياسة السعودية لا تبنى على ردود أفعال متشنجة بل تعتمد التمهل وطول النفس. وذا ليس وليد اليوم بل منذ مئات السنين بخطى ديناميكية متزنة يرعاها نظام رصين لا يفضل العنتريات ولا استعراض القوى ولا المنة في العطاء. تلك ملامح ثابتة لا يمكن الحياد عنها.

ثانيا: تحملت الرياض هجمات متكررة من المتطرفين الشيعة العراقيين لعدم رغبتها بشق الصف العربي وانقسام دول المنطقة إلى فسطاطين. ثالثا: استشعارها واجبا أخلاقيا ترجمته بمحاولات اجتذاب العراق وإعادته لبقعة منتجة ومسالمة مع دول الجوار لا منبوذة ارتباطا بالوضع السياسي الذي أنتجه توغل النظام الإيراني.

ما مضى ليس حكايتي اليوم. قصتي أن سلاح الجو السعودي شن قبل أيام هجمات على مواقع تابعة لميليشيات إرهابية عراقية معترف بها رسميا لطالما حاولت زعزعة أمن المملكة تنفيذا لأوامر الراعي الرسمي الذي أوعز مؤخرا لأذنابه بالتطاول على السعودية. القصد الإيراني حسب فهمي منع أي تقارب عراقي – سعودي يتحقق بزيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي المقررة الخميس الماضي قبل إلغائها إضافة لصرف النظر عن آلامها.

قامت الدنيا ولم تقعد. خرج بعض العراقيين والعرب عن السياق الأدبي والأخلاقي بردود فعل تبنت المظلومية. الحقيقة أن تلك الأصوات تقود للتدبر والتفكر. كيف؟ مثيرة للغرابة والشفقة في آن واحد النظرة القاصرة التي جرمت غارات المقاتلات السعودية «الدفاعية» على مواقع المتطرفين وصمتت بل أيدت لسنوات عديدة ممارسات المجرمين ضد المملكة ودول الجوار. وكأن البعض يجد أنه من حق المارقين الاعتداء على أي دولة خليجية ويحرمها الدفاع عن نفسها!

برأيي هذا النهج في التفكير مرتبط بأمرين. ما هما؟ الفوقية التي يمارسها بعض العرب تجاه دول الخليج قاطبة باعتبارهم تجاوزتهم بسنين ضوئية عبر التقدم والتعليم ورعاية الإنسان والنهضة والاقتصاد والثقل السياسي في الميادين الدولية. ثم إنه نابع من أسس طائفية مقيتة.

المبادرات الإقليمية للاستقرار

على كل حال؛ أثق بأن قادم الأيام سيكون مرا للكثير ممن اعتادوا التمادي على أهم ممرات العالم لا سيما المؤيدين للسياسات الإيرانية التخريبية. السبب؟ مبادرة الرياض لإنشاء تحالف دولي بحري دفاعي متعدد الجنسيات يلتزم بمبادئ ومواثيق الأمم المتحدة لفرض الأمن والاستقرار على ممتلكات منطقة تصنف بالأهم استراتيجيا على مستوى العالم لاحتوائها أهم المنافذ البحرية الدولية وقطع دابر أي تهديد للتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

فقد شهدت وزارة الدفاع السعودية الخميس الماضي اجتماعا لرؤساء أركان أكثر من 43 دولة لبحث إنشاء تكتل عسكري من شأنه حماية مقدرات المنطقة بدلا من تركها لقمة سائغة بيد إيران وأزلامها المأجورين بثمن بخس والمنتشرين بأرجاء المعمورة.

وهذا التحالف لم يفكر به صانع القرار السعودي واستدعى له وقفة جماعية للفت الانتباه أو فرض نفوذ معين بقدر ما هو نابع من إدراك عميق لخطورة الوضع القائم الذي تشكله طهران والتابعون لها وتسببوا باختلال وإرباك اقتصادات العالم.

أتصور أن الجميع أمام استيعاب حتمية سقوط المشروع الإيراني طال الأمد أو قصر وتدبر ما حدث لمشاريع مشابهة كالناصري القومجي الذي انتشرت شعاراته من طنجة إلى أقصى الخليج والبعثي رغم حكمه سوريا والعراق وأفكار الإخوان المسلمين التي استقرت في مزابل التاريخ رغم تصاعد نجمها وتأثيرها في الشارع العربي.

إن عقلاء بلاد الرافدين أمام امتحان عصيب يفترض الاعتراف مبدئيا باختطاف قرار دولتهم وتحويلها منصة لاستهداف جيرانها. يلي ذلك الإيقان بأن التحقيق والإدانة والاستنكار والتخدير باتت لا تكفي لإقناع المجتمعات الخليجية التي لا ترضى حكوماتها رهن أمنها القومي لمبررات رسمية مكرورة وغير مقنعة.

خلاصة القول: يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله به عدوه. وذا ما ينطبق على المنشغلين.. بحفلات الردح المجنونة.