تأثير العادات الاجتماعية على سلوك المدينة وتخطيطها العمراني

القيم الدينية مقابل العادات الاجتماعية
عندما يُسأل أي شخص عن أكثر القيم تأثيراً على سلوكه وحياته، تكون الإجابة الفورية غالباً «القيم والتعاليم الدينية». لكن هذه الاستجابة العاطفية السريعة لا تعكس تماماً واقع مجتمع المدينة، حيث أجرت العديد من الدراسات بحوثاً حول المدينة وتأثير الدين والأعراف الاجتماعية.
يرى غرتز أن الدين جزء من النظام الثقافي، وليس مجرد نصوص أو عقائد فحسب؛ بل هو ممارسة مرتبطة بالعادات المحلية. ويعتبر العادات والتقاليد الإطار الذي يُفسر من خلاله النص الديني. وعلى النقيض، يرى ماكس فيبر أن تأويل الدين يخضع أساساً للثقافة المحلية، مما يفسّر لماذا يختلف سلوك المتدين في أوروبا عن نظيره في الشرق الأوسط. تشكل العادات والتقاليد ثقافة تُنشئ نظاماً حاسماً للحياة، ويميل الإنسان للعيش كما اعتياده ومقاومة التغيير.
ضغط المجتمع ومخالفته العرف
من وجهة نظري وبالنسبة لقوة التأثير، أعتقد أن الأعراف الاجتماعية تؤثر في سلوك الإنسان وطريقة تعامله أكثر من التعاليم الدينية. فإذا تعارضت العادات والتقاليد مع الدين يقدم البعض العرف الاجتماعي خوفاً من المجتمع. ولا جدال أن الخوف من المجتمع ظاهرة طبيعية عندما يخضع الفرد لقراراته اليومية ليتوافق مع المجتمع المحلي والثقافة السائدة، بما في ذلك عادات اللبس والأكل والزواج والعلاقات الاجتماعية. هذه الثقافة تولّد ضغطاً اجتماعياً ينقاد له الفرد طواعية حتى وإن تعارضت أحياناً مع بعض التعاليم الدينية. والحق أن مخالفة العادات الاجتماعية «علناً» تترتب عليها عواقب وخيمة قد تصل إلى حد «النبذ الاجتماعي» وهو الاستبعاد المتعمد للفرد من المجتمع، والذي يُسمّى محلياً «الفضيحة». يمكن أن يظهر هذا النبذ على شكل سخرية أو تجاهل تام، تاركاً آثاراً نفسية على الإنسان قد تقوده إلى ترك مجتمعه بالكامل.
أثر العادات على التخطيط العمراني
وفي الجانب الآخر، فإن ارتكاب بعض المحرمات الدينية حتى لو كانت علنية قد لا يترتب عليها أي عقوبة فورية أو نبذ اجتماعي أو فضيحة، إلا إذا كانت مرتبطة بعادات اجتماعية. أما مرحلة التوازن فهي عندما ينسجم الدين مع العادات الاجتماعية ليلتحما معاً في قيمة واحدة يصعب الفصل بينها، وعندها يحصل الرضا الاجتماعي.
الهدف من هذه المقدمة هو إظهار أثر العادات والأعراف الاجتماعية في إطار المدينة. فالمدينة هي نظام للرموز الاجتماعية التي يعاد فيها تأويل النص الديني أحياناً لحماية العرف الاجتماعي. وبالتالي فإن المدينة التي تتجاهل الأعراف والتقاليد الاجتماعية هي مدينة ضعيفة اجتماعياً.
في الواقع، قراءة هذه الثقافة مهمة لأنها تؤثر على أنماط الفراغات، والإسكان، والعلاقات في فضاء المدينة. قد ينجح التخطيط العمراني في تنظيم الحركة والنقل، وتوزيع الخدمات هندسياً، لكنه يفشل في تحليل العادات المحلية والروابط الرمزية القديمة، مما يؤدي إلى فشل النموذج العمراني ككل حتى لو كان ناجحاً في مكان آخر.
ولتبسيط المفهوم، قد ينص الكود العمراني على إمكانية فتح البلكونات على الشارع؛ لكن العرف الاجتماعي يصنع كوداً مضاداً ينص على وضع ساتر لحجب البلكونة. بعبارة أخرى، يعطي الدين المدينة المرجعية التشريعية؛ إلا أن العادات والتقاليد هي اللاعب الحقيقي الذي ينفذ «الكود العمراني» بالطريقة التي يريدها.
وفي الختام، فإن تأثير العادات والتقاليد الاجتماعية قوي جداً، وهو ما يعني أن التخطيط العمراني يجب أن يستوعب ثقافة المجتمع والعرف الاجتماعي والعادات قبل أن يكتفي بتطبيق أفكار أفلاطونية يعتقد أنها ستنجح بمجرد نقلها من مكان إلى آخر.





