الرئيسيةعربي و عالميتفجير مقهى شارع النصر في دمشق:...
عربي و عالمي

تفجير مقهى شارع النصر في دمشق: إشارات إلى صراعٍ خفي بين قوى إقليمية وإرهابية

06/07/2026 07:01

لم تعد سورية تشهد صراعًا بين جيوشٍ تقليدية، بل انتقلت إلى مرحلةٍ أكثر تعقيدًا تتداخل فيها خلايا إرهابية، وشبكات من النظام السابق، وتدخلات إقليمية، بالإضافة إلى حسابات القوى الكبرى. في هذا السياق، لا تُعَدّ العبوة الناسفة مجرد جريمة عشوائية، بل تُستَخدم كرسالةٍ سياسية صريحة. ومن هنا ينبثق السؤال ليس حول من وضع العبوة، بل حول دوافع اختيار الهدف وتوقيت التنفيذ.

المقهى كهدف جديد بعد سقوط النظام

إن استهداف مقهى في شارع النصر داخل العاصمة دمشق لا يُعَدّ مجرد تفصيل أمني. فهذه هي المرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد التي يتحول فيها مقهى مدني مكتظ إلى هدفٍ مباشر. في الأشهر الأخيرة سُجّلت هجمات على كنائس، واجتماعات أمنية، ومؤسسات حكومية، وشخصيات بارزة، إلا أن الضربة اليوم انتقلت إلى مكان لا يحمل أي قيمة عسكرية أو سياسية، بل يحمل قيمة اجتماعية أكبر لأنه يستهدف المجتمع ذاته.

تكتيك الإرهاب الجديد

أودى التفجير الذي أسفر عن مقتل عشرة مدنيين وإصابة العشرات بأضرارٍ لا يمكن أن تُنسب إلى الصدفة. حين تتحول المقاهي والأسواق ووسائل النقل إلى أهدافٍ محتملة، يتغير مفهوم الإرهاب من السعي للسيطرة على أراضٍ إلى السعي للسيطرة على مفاتيح الخوف. لم يعد الهدف إرباك مؤسساتٍ معينة، بل إرباك مجتمعٍ كامل يحاول استعادة إيقاع حياته بعد سنوات من الصراع.

السياق الأمني والسياسي المتشابك

تحاول الحكومة الجديدة ترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز سيطرتها الأمنية عبر عمليات استباقية لمنع استهداف المدنيين. وفي الوقت نفسه، تعيش المنطقة اضطرابًا غير مسبوق نتيجة للتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى جانب الصراع المستمر بين إسرائيل وحزب الله وتنافس إقليمي حول «سوريا الجديدة» ودورها. في ظل هذه البيئة تصبح الهجمات الإرهابية وسيلة منخفضة التكلفة وعالية التأثير لتشويش الداخل السوري دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

من هو المسؤول؟

حتى الآن لم توصل التحقيقات إلى اسمٍ واضحٍ للمُنَفِّذ، لكن تحليل نمط العملية يشير إلى احتمال كبير أن تكون يد داعش أو خلايا تتبنى عقيدته هي المتورطة. فالتنظيم، عندما يُقَلّص مساحة حركته، يتجه إلى استهداف المدنيين، ولا يحتاج إلى السيطرة على مدينةٍ لإظهار حضوره؛ مجرد خلية صغيرة وعبوة ناسفة تكفي للعودة إلى عناوين الأخبار وإرسال رسالة مفادها أنه لا يزال قادرًا على الضرب.

وكانت التحذيرات سابقةً من أن خطر داعش بعد خسارته للأراضي لن يكون في سعيه لإقامة «دولة»، بل في تحوله إلى تنظيم يعتمد على خلاياٍ صغيرة وعملياتٍ نوعية داخل المدن، مستغلاً أية ثغرة أمنية أو توترٍ سياسي. ما وقع في دمشق يبدو متسقًا مع هذا التحول، وستحدد نتائج التحقيقات المسؤولية النهائية.

ومع ذلك، لا يكفي الإشارة إلى اسم داعش لفهم المشهد بالكامل. فالسياق السوري لا يزال يضم شبكاتاً مرتبطة بالنظام السابق، تشمل ضباطاً أمنيين وعسكريين سابقين يمتلكون خبرات في التفخيخ والتفجير، إلى جانب شبكات تهريب أسلحة ومخدرات. لا يُقصد اتهام هذه الشبكات مباشرةً، بل الإشارة إلى أن بيئة سنوات الحرب لم تختفِ بالكامل، وأن التنظيمات الإرهابية قد تجد فيها الدعم أو الخبرة أو الثغرات التي تحتاجها.

على الصعيد الإقليمي، لا يلزم أن تكون القوى الخارجية وراء كل تفجير للاستفادة من نتائجه. منذ سقوط النظام السابق، تظل تل أبيب تُعرب عن رفضها للسلطة السورية الجديدة وتستمر في شن غاراتها وتوغلاتها داخل سوريا، مؤكدةً عدم قبولها للواقع الأمني الجديد في جنوب البلاد. أي تراجع أمني داخل دمشق يمنح إسرائيل مادةً لتأكيد روايتها بأن سوريا لا تزال دولةً هشة، مما يؤخر تعافيها السياسي والاقتصادي ويبقيها منشغلة داخليًا.

ولا يمكن إغفال تأثير القوى الطائفية التي ما زالت تحتل ساحة الساحة السورية بدعمٍ خارجي. هنا تتجلى ما يمكن تسميته بـ«حرب الظل»: لا يلزم أن تتقابل جميع الأطراف على طاولة واحدة أو تنسق أفعالها، بل يكفي أن ينفذ طرفٌ واحد عمليةً تخدم مصالح أطرافٍ أخرى. قد يكون المنفذ تنظيمًا إرهابيًا، بينما تتوزع المكاسب السياسية على خصوم الدولة السورية، والمتضررين من استقرارها، وكل من يرى في الفوضى فرصةً لتعزيز موقعه أو إضعاف خصمه.

وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي لا يقتصر على من نفذ التفجير، بل يمتد إلى من تلاقت مصالحه مع هذا الفعل. وبينما تسعى التحقيقات إلى كشف هوية المنفذ، يبقى السؤال السياسي قائماً، مؤكدًا أن سوريا دخلت مرحلة لا تُقاس فيها الحروب بعدد الطائرات أو الدبابات، بل بعدد العبوات التي تُسهم في زعزعة الثقة وإبطاء عملية التعافي.

حتى لو كشفت التحقيقات عن اسم الشخص الذي زرع العبوة، فإن ذلك لن يجيب بشكلٍ كافٍ على سؤالٍ أعمق: لماذا عادت العبوات الناسفة إلى دمشق الآن؟ الجواب لا يكمن في هوية المنفذ فحسب، بل في التحولات التي تشهدها سوريا والمنطقة بأسرها. تاريخيًا، كثيرًا ما تكون العبوة الناسفة في الشرق الأوسط الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الحسابات السياسية والأمنية. لذا، فإن تفجير مقهى شارع النصر لا يُعدّ مجرد حادث إرهابي، بل قد يكون أول مؤشر على أن «حرب الظل» على سوريا قد دخلت مرحلة جديدة، لم يعد هدفها إسقاط الدولة بالقوة، بل منعها من بلوغ الاستقرار.