الرئيسيةكتاب و آراءتحذير من الإفراط في التصريحات الطموحة:...
كتاب و آراء

تحذير من الإفراط في التصريحات الطموحة: ضرورة الواقعية في إدارة المشاريع الوطنية

01/07/2026 09:02

إذا جرى تقييم مسيرة رؤية المملكة حتى الآن، فإن من الإنصاف القول إنها نجحت في تحقيق كثير من مستهدفاتها، وأن أغلبية المشاريع تتقدم وفق جداول زمنية ممتازة. بيد أنه من غير الواقعي توقع أن يمر مشروع بحجم إعادة هيكلة اقتصاد دولة، بل وإعادة تشكيل وجه منطقة بأكملها، دون الحاجة إلى تعديلات أو تغييرات.

التغيير جزء طبيعي من دورة حياة المشاريع

كل من درس إدارة المشاريع أو مارسها يعرف جيداً أن التغيير ليس حالة استثنائية، بل هو عنصر عادي في دورة حياة أي مشروع. بل إن التطوير والتغيير المستمرين هما السمة المميزة للمشاريع الكبرى، خاصة عندما تكون الرؤية نفسها مرنة وديناميكية وقابلة للتحديث بما يواكب المتغيرات الاقتصادية والتقنية والجيوسياسية.

وكما حققت مشاريع كثيرة نجاحاً باهراً، فهناك مشاريع أخرى لم تبلغ الطموحات المنشودة، وهذا أمر طبيعي في أي تجربة تنموية ضخمة. لكن ما تحتاجه هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى هو الواقعية، نعم الواقعية!

ظاهرة المديرين المبالغين في وعودهم

خلال الأعوام الماضية، رصدنا بعض المدراء الذين بدأوا ولاياتهم بسيل من التصريحات الطموحة والوعود الكبيرة، وساعدتهم بعض الأذرع الإعلامية في رسم صورة تجعل الإنجاز يبدو وكأنه تحقق قبل البدء في العمل. ثم انتهت التجربة دون نتائج تعادل حجم تلك الوعود.

لذلك يظل المعيار الحقيقي بسيطاً، كما قال بنجامين فرانكلين: «فعل ممتاز خير من قول ممتاز». فالقيادات لا تُقيَّم بحجم مؤتمراتها الصحفية، ولا بعدد لقاءاتها الإعلامية، بل بما تتركه من أثر بعد مرور السنوات.

وكما قال مارك توين: «الأفعال تتحدث بصوت أعلى من الكلمات». وللأسف، شاهدنا أحياناً مديراً صورتْه الحملات الإعلامية وكأنه سيغير الصناعة بأكملها، قبل أن يرى الناس أي منتج أو خدمة أو نتيجة ملموسة. وسمعنا عن وعود بعشرات المصانع، ثم انتهت السنوات دون أن يرى الناس شيئاً يضاهي تلك التصريحات!

واقعية تنافسية في قطاعي الذكاء الاصطناعي والطيران

اليوم، نسمع من يتحدث عن نيته منافسة أقطاب العالم والسباق مع العمالقة في مجالات معقدة مثل الذكاء الاصطناعي. الواقعية التنافسية تقتضي منا -مع كامل الاحترام للطموح- أن ندرك حجم ومكامن ميزتنا النسبية. فنقطة قوتنا الحقيقية تكمن في رخص الطاقة وتوفرها (بفضل الجهود الملموسة لوزارة الطاقة)، وسرعة إصدار تراخيص البنية التحتية للبيانات (Data Centers)، إضافة إلى حجم العقود الحكومية وشبه الحكومية في بيئة متطورة تقنياً ومعلوماتياً. نحن لا نملك ملايين المبرمجين كبعض الدول ذات الكثافة السكانية الهائلة، ولسنا في صدارة قطاع التكنولوجيا وأشباه الموصلات عالمياً بعد؛ لذا فإن الإفراط في التصريحات دون إنجازات ملموسة لا يخدم أهدافنا.

وينطبق الأمر نفسه على قطاع الطيران؛ إذ يخرج من يعلن منافسة أعرق الشركات العالمية التي بنيت أمجادها على مدى عقود، في حين أنه لا يزال في مرحلة استلام طائراته الأولى! المنطق الإداري السليم يدعونا أولاً إلى تقييم الأداء والمنتج والخدمة، وعند جودتها سنكون أول المشجعين وأكبر الداعمين، لكن الحكم المسبق قبل رؤية مستوى الخدمة الفعلي يُعد مجازفة غير مدروسة.

البعض يظن واهماً أن الملاءة المالية والإمكانات الضخمة وحدها كفيلة بصنع النجاح؛ ولو كان الأمر بهذه البساطة، لما رأينا أداء منتخبنا الوطني لكرة القدم في كأس العالم دون مستوى التطلعات رغم حجم الدعم والتمكين اللامحدود، فالمبالغة في رفع سقف التوقعات تؤدي حتماً إلى الاصطدام بجدار الواقع.

خلل مفهومي في الإعلام المؤسسي

ثمة خلل مفهومي لدى بعض الأذرع الإعلامية في الشركات والمؤسسات؛ إذ يتم التعامل مع «الهوية البصرية» وإعادة تصميم «اللوغو» وكأنه الإنجاز الأوحد، متناسين أنه ليس سوى قشرة خارجية. الشعار لا يمنح المؤسسة قيمتها، بل أداء المؤسسة وجودة خدماتها ومنتجها هي التي تمنح الشعار قيمته السوقية والاعتبارية. شركات مثل (Apple)، و(NVIDIA)، و(Walmart) لم ترتفع قيمة شعاراتها بفضل جمال خطوطها أو ألوانها، بل نتيجة جودة المنتج، وكفاءة الخدمة، والربحية المستدامة.

ولو مثلاً خرج رئيس مجلس إدارة شركة مثل «أكوا باور» الآن تسمى أكوا وقال سننافس العالم في الطاقة المتجددة، فإن تاريخ الشركة وإنجازاتها يشفعان له وسنكون خلفه مؤيدين. وإذا صرح رجل مثل رئيس «أرامكو» بأنه يقود طاقة العالم، فلن يجد مشككاً واحداً، لأن الأرقام العالمية والنجاحات الراسخة تتحدث عن نفسها بصوت صاخب.

أما الحملات الإعلانية فلا تستطيع وحدها صناعة منتج أو خدمة، لكن للأسف بعض الأذرع الترويجية وبعض المؤثرين الذين «يعززون» لكل من يدفع، لا يخدمون مسار الواقعية والمكاشفة؛ حتى ربما يصل الأمر ببعضهم يوماً ما إلى الاستعداد لتسويق «المقابر» ووصفها بأنها مريحة لصحة ظهر الميت طالما أن المقابل المادي مجزٍ!

الكفاءة لا وطن لها

نحن هنا في وطننا، ننظر بتفاؤل مطلق ونشجع وبقوة شركاتنا الوطنية، ونقيد نجاح المدير بكفاءته بغض النظر عن جنسيته أو خلفيته؛ فالكفاءة لا وطن لها، وقد رأينا مديرين أجانب نجحوا وآخرين فشلوا، ومديرين سعوديين تميزوا وآخرين أخفقوا. ما يهمنا هو نجاح المنظومة التي تخدم الوطن والرؤية، بعيداً عن المبالغة في التصريحات.

والخشية كل الخشية، أن يكون بعض المدراء واقعين تحت تأثير ما يُعرف علمياً بـ «تأثير دانينج-كروجر» (Dunning-Kruger Effect)؛ وهي ظاهرة نفسية تشير إلى أن الأشخاص الأقل كفاءة يميلون بشكل غريب إلى المبالغة في تقدير قدراتهم والتفاخر بها، ببساطة لأنهم لا يملكون المعرفة أو الكفاءة الكافية التي تجعلهم يدركون حجم قصورهم وفجوات أدائهم!

وكما يقول آدم غرانت: «المتفاخرون غير آمنين ويحتاجون إلى الانتباه، والتفاخر غالباً ما يعطي تأثيراً عكسياً».

ختاماً، نتمنى للجميع التوفيق والسداد، فنجاح أي قيادي في منظومته هو نجاح للمسيرة الوطنية الشاملة. نحن نحب التفاؤل ونستمد منه الطاقة، لكن الواقعية والمكاشفة هما صمام الأمان؛ فاجعلوا أفعالكم وإنجازاتكم هي من تتحدث بالنيابة عنكم.