الجسد يدفع ثمن المشاعر المكبوتة: من الكبد إلى القلب والأمعاء

روت السيدة عائشة رضي الله عنها شدة حزنها أثناء حادثة الإفك، فقالت: (بكيت ليلتين ويوماً حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي). هذا الربط بين الحزن والكبد ليس مجرد تعبير مجازي عابر، بل يعكس فهماً عميقاً للعلاقة بين المشاعر والجسد، وهو ما تؤكده الدراسات الطبية الحديثة.
الكبد الحزين: من التراث إلى الطب الحديث
ارتبط الحزن في التراث العربي بالكبد، كما في قول مجنون ليلى: (ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبداً ليست بذات قروح)، تعبيراً عن الألم واللوعة. في الطب الإسلامي القديم، كان يُعتقد أن الكبد مسؤول عن تكوين وتخزين «الصفراء»، وأن الانفعالات الحادة كالغضب أو الحزن الشديد تؤثر مباشرة في حرارة الكبد وتوازن الجسم. هذا المفهوم يُعرف اليوم في الطب الشعوري بـ«كبد الحزن» أو «الكبد الحزين»، ويشير إلى تراكم الدهون على الكبد أو ما يُعرف بالكبد الدهني، نتيجة تأثره بالضغط العصبي والاكتئاب. الكبد عضو حيوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية والصحية العامة. فالضغوطات والقلق والحزن قد تظهر على شكل ارتفاع إنزيمات الكبد، أو تراكم الدهون عليه بسبب ارتفاع هرمون الكورتيزول.
الدماغ هو المخزن الحقيقي للمشاعر
العرب لم يخطئوا حين ربطوا الحزن بالكبد، لكن الحزن لا يُختزن في الكبد، بل تُخزَّن كل المشاعر في الدماغ، وتحديداً في اللوزة الدماغية وعبر الجهاز الحصيني. لا أحد يرى المشاعر وهي تنتقل داخل الأجساد، من اللوزة الدماغية إلى الكبد أو الكتفين أو الأمعاء، ومع ذلك يكاد الجميع يشعر بها. يقول أحدهم: (انفقعت مرارتي)، وآخر يشعر أن كتفيه مثقلان بالهموم، بينما ثالث يقول (آه يا قلبي) واصفاً ألماً يعتصر قلبه، رغم أن الموقع الأصلي للمشاعر هو الدماغ، حيث تولد وتُفسر ويُحتفظ بها، لكنها تترجم إلى لغة يفهمها الجسد كله. ألا نشعر بحشرجة في الحناجر عند الحزن أو البكاء؟ إنها غصة عاطفية، رد فعل لا إرادي يبعث به الدماغ إلى عضلات الحنجرة لتنقبض. كذلك يحدث مغص البطن عند الخوف بسبب الارتباط الوثيق بين الدماغ والأمعاء، فعند الشعور بالخوف يفرز الجسم هرمونات مثل «الأدرينالين» و«الكورتيزول»، مما يؤدي إلى إعادة توجيه الدم بعيداً عن الجهاز الهضمي، فتحدث تقلصات عشوائية وسريعة تُعرف بـ«المغص».
المشاعر المكبوتة واستنفار الجسد الدائم
لا تختفي المشاعر بمجرد أن يصمت الإنسان، فقد يسكت اللسان، لكن الجسد والدماغ يواصلان التفاعل بطريقتهما الخاصة. فإذا كانت المشاعر طبيعية وعُبِّر عنها بوعي، عادت أجهزة الجسم إلى هدوئها، أما إذا كُبتت أو أُجبر الإنسان على تجاهلها مراراً، فقد يبقى الجسم في حالة استنفار طويلة. لذلك لا يُقال إن الحزن يُخزَّن في القلب أو الكبد، أو الخوف في المعدة، بل يُقال إن لهذه الأعضاء نصيباً من آثار المشاعر. فالقلق قد يظهر على هيئة خفقان في القلب، ضيق في الصدر، واضطراب في النوم. الخوف قد يترك أثره في المعدة، فتقل الشهية أو تزداد، وقد تظهر أعراض القولون العصبي أو اضطرابات الهضم. التوتر المزمن يرفع هرمونات الإجهاد، فيؤثر في ضغط الدم، السكر، المناعة، وحتى الإحساس بالألم. لذلك نرى أشخاصاً يعيشون سنوات وهم يظنون أن المشكلة في المعدة أو الرأس أو العضلات، بينما جزء من معاناتهم هو ضغوطات لم تجد طريقاً للتفريغ، فتسربت إلى أعضاء الجسد.
كل شعور مكبوت يتحول إلى ألم جسدي
كل شعور لم يجد طريقاً صحياً للتعبير قد يتحول إلى توتر مزمن، صداع متكرر، آلام عضلية، أو إرهاق لا يعرف صاحبه له سبباً. ليس لأن العضو يحمل المشاعر، بل لأن الجسد كله يحملها. لذلك فإن أكثر ما يرهق الإنسان ليس الشعور نفسه، بل حبسه حتى يصبح أسلوب حياة. ومن هنا نفهم أن التعبير عن المشاعر ليس ضعفاً، بل جزء من العناية بالصحة. أن تبكي حين يستحق الموقف بكاء، تحدث عندما يغتم قلبك، اعتذر عندما تخطئ، كي لا تشعر بتأنيب ضمير، واطلب المساعدة حينما تعجز. كل ذلك ليس علاجاً للنفس فقط، بل حماية للجسد أيضاً.
لا تبحث عن المشاعر في الجسد، فهو يدفع ثمنها
ربما لهذا السبب تبدو بعض الوجوه شاحبة رغم سلامة الفحوصات، بينما ترى آخرين يعيشون بشكل أفضل رغم ظروفهم الحياتية، لأنهم لم يسمحوا للمشاعر أن تتحول إلى سجن داخلي. فلا تبحث عن مكان المشاعر في الجسد، لأنه لا يخزنها، ولكنه قد يدفع ثمنها.





