الرئيسيةفنمشاريع الفنون السعودية تُعيد رسم هوية...
فن

مشاريع الفنون السعودية تُعيد رسم هوية ثقافية جديدة

30/06/2026 23:01

منذ أواخر القرن الماضي، وجد المبدع العربي نفسه أمام شاشات تعرض قصصاً لم يكتبها، وتُصوِّر أصواتاً لا تنسجم مع نبرته، وتُظهر حضارته وتقاليده من منظور «الغريب». سواء كان كاتباً أو مخرجاً، كان يُجبر على رسم ثقافته بريشة لا تعكس ألوان بيئته. لم تُعد السينما آنذاك مجرد وسيلة ترفيهية لملء أوقات الفراغ، بل أصبحت أداة رئيسية لصناعة وعي غربي صامت، كما أشار المفكر إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» إلى أن الإعلام الغربي لطالما قدم صورة «مشوهة» للعرب بالمقارنة مع الصورة العقلانية المتحضرة للثقافة الغربية.

تأثير الإعلام الغربي على الهوية العربية

لم تقتصر هذه الاستراتيجية على السينما فحسب، بل اتسعت لتشمل وسائل الإعلام الأخرى، وفقاً لدراسة جاك شاهين التي حلّلت تسعمائة فيلم هوليودي. من بين الأمثلة البارزة كان فيلم «True Lies» الصادر عام 1994، الذي ربط الثوب العربي بالدين والعنف لتشكيل صورة نمطية غير مباشرة. هذا النوع من التلاعب يُعرف بـ«تأثير الغرس»، حيث يتحول الخيال السينمائي إلى حقيقة راسخة في عقول الملايين دون تمحيص.

انطلاق جامعة الرياض للفنون

في خطوة تُظهر الجدية السعودية في مجال الثقافة والفنون، أطلقت وزارة الثقافة مشروع «جامعة الرياض للفنون» تحت إشرافها. وقد أدت الجهود المتواصلة للوزارة إلى تحقيق أرقام قياسية في تدريب الشباب وصقل مهاراتهم، فضلاً عن تمكينهم من خلال برامج دعم مستمرة. الجامعة ستضم ثلاثة عشر كلية متخصصة تشمل الموسيقى، السينما، المسرح، الإنتاج الإعلامي، الإدارة الثقافية وغيرها، مع إتاحة مسارات دراسية تتراوح بين الدبلوم وحتى الدكتوراه، جميعها في بيئة تعليمية متوافقة مع أحدث التقنيات.

مشاريع ثقافية كبرى ضمن رؤية 2030

تأتي هذه المبادرة في إطار رؤية 2030 التي حددت خططاً استراتيجية لتطوير القطاع الثقافي والفني. من أبرز المشروعات القائمة: المجمع الملكي للفنون ضمن حديقة الملك سلمان، وهو من أكبر المجمعات الفنية على مستوى العالم؛ ومشروع ميثاق الدرعية الذي يدمج التراث العمراني النجدي مع الفنون التشكيلية المعاصرة في أحياء طريف والبجيري. كما يهدف مشروع الرياض آرت إلى تحويل العاصمة إلى مركز عالمي للفنون، إلى جانب مركز الفنون الأدائية في القدية الذي يضم مسرحاً بسعة ثلاثة آلاف مقعد ومرافق تدريبية متطورة.

آفاق مستقبلية للهوية الإبداعية السعودية

تشمل الخطط المستقبلية أيضاً إنشاء 153 بيتاً ثقافياً موزعة على مدن المملكة، بالإضافة إلى مجمع الفنون ضمن مشروع «ذا لاين» في نيوم، الذي يهدف إلى تأسيس مراكز دولية رائدة للفنون البصرية المعاصرة. هذه المرافق ليست مجرد بنى مادية، بل تُعد أذرعاً استراتيجية لتكوين هوية إبداعية تُعيد تعريف الحضور الثقافي السعودي على الساحة العالمية، وتدعم اقتصاداً إبداعياً يثري حياة المجتمع ويؤهل جيلًا مبدعًا قادرًا على تحويل صفحة القرن الماضي إلى صفحات سعودية تُعبر عن الإبداع العربي بوجه عام.