تصعيد القتال في اليمن يقطع المساعدات ويُغرق المستشفيات بالجرحى

تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار التصعيد العسكري بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي على عدة جبهات، وسط تحذيرات أممية ودولية من تدهور الأوضاع المعيشية والصحية. وتواجه المستشفيات اليمنية تدفقاً غير مسبوق للجرحى، في وقت تزداد فيه القيود على وصول المساعدات والإمدادات الأساسية إلى السكان.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد عسكري مستمر منذ يوليو الماضي، أسفر عن مقتل وإصابة الآلاف، فضلاً عن نزوح أكثر من 217 ألف شخص، وفق تقارير أممية. وتتصاعد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية جراء استمرار القتال وإغلاق الطرق وانقطاع الخدمات الأساسية.
تحذيرات أممية من انقطاع المساعدات
حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الأربعاء، من أن تصاعد النزاع في اليمن أدى إلى انقطاع المساعدات المنقذة للحياة للعديد من الأشخاص. وأوضح البرنامج في بيان أن تحرك خطوط المواجهة وإغلاق الطرق وتزايد انعدام الأمن تقيد بشدة وصول المساعدات الإنسانية في مدينة تعز (جنوب غرب) ومناطق أخرى متأثرة بالنزاع.
وأضاف البرنامج أنه لا يستطيع هو وشركاؤه الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية، من بينهم أكثر من 200 ألف امرأة وطفل. ولفت إلى أنه مع احتساب المجتمعات التي انقطع الوصول إليها على الساحل الغربي لليمن في أوائل سبتمبر، ارتفع إجمالي عدد الأشخاص الذين يتعذر على البرنامج الوصول إليهم إلى 800 ألف شخص.
وتابع البيان: تستضيف مديريات تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، أكبر أعداد النازحين داخلياً منذ بداية الأزمة، فيما يتعذر الآن الوصول إلى العديد منهم بسبب استمرار القتال والإغلاق الوشيك للطرق حول المحافظة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في اليمن. وأكد أن انقطاع الوصول يثير قلقاً بالغاً، لا سيما أن تعز تسجل بعضاً من أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي في البلاد، حيث سبق تصنيف 10 مديريات من أصل 16 عند مستوى الطوارئ (المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي).
ونبه البرنامج إلى أن أحدث عمليات الرصد تفيد بأن مخزونات دقيق القمح أوشكت على النفاد، وأن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى لفترة قصيرة إذا استمرت القيود على إمكانية الوصول. وقال الخضر دالوم، ممثل برنامج الأغذية العالمي ومديره القُطري في اليمن: نشعر بقلق بالغ إزاء تصاعد النزاع، لكن ما يثير قلقنا أكثر هو تزايد أعداد الأشخاص الذين لم يعد بإمكاننا الوصول إليهم بسبب هذا النزاع. وأضاف أن العديد من الأسر المتضررة نزحت مرات عدة، وكانت تعاني بالفعل من صعوبة تحمل تكلفة حتى المواد الغذائية الأساسية، وهذا هو نوع الأوضاع التي يمكن أن تتدهور سريعاً لتصبح كارثة إنسانية إذا تعذر توفير المساعدات بأمان ووصولها إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
مستشفيات اليمن تحت ضغط غير مسبوق
حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن مستشفيات اليمن تكافح بشكل مضن لاستيعاب الأعداد المتزايدة غير المسبوقة من جرحى الحرب، نتيجة استمرار التصعيد العسكري. وقالت المنظمة في بيان: مع احتدام القتال عبر مناطق اليمن، تخوض المستشفيات كفاحاً مضنياً من أجل استيعاب الأعداد المتزايدة من جرحى الأسلحة، في ظل منظومة صحية هشة تعاني أصلاً نقصاً حاداً في المستلزمات الطبية والكوادر البشرية والرعاية المتخصصة.
وأضاف البيان أن جميع خطوط المواجهة شهدت تدفقاً كبيراً وغير مسبوق لحالات جرحى الأسلحة، وتتحمل المرافق الصحية في مأرب (وسط) وتعز ومنطقة ساحل البحر الأحمر (غرب) النصيب الأكبر من عبء الضحايا. وأوضح أن المستشفيات والمرافق الصحية هناك تواجه ضغوطاً تفوق طاقتها، إذ سجلت بعض المرافق الواقعة على خطوط المواجهة استقبال أكثر من 700 حالة خلال أسبوع واحد، وأصبح تدفق حالات الإصابات الجماعية يتكرر بشكل متزايد.
ونقل البيان عن فراس أبو سمرة، منسق الخدمات الصحية باللجنة الدولية، قوله: تواجه الكوادر المختصة برعاية الإصابات الرضحية (الجروح الشديدة) ضغطاً هائلاً، إذ إن عدداً قليلاً فقط من المرافق الصحية العاملة في اليمن لديه القدرة على تقديم رعاية شاملة للإصابات الرضحية، في حين تستقبل المستشفيات الواقعة على خطوط المواجهة جرحى بأعداد كبيرة، في وقت تعاني فيه شح المستلزمات الجراحية ومستلزمات التخدير والأكسجين والأدوية. وأضاف أن العاملين في الرعاية الصحية يضطرون إلى التعامل مع حالات الطوارئ هذه مع مواصلة تقديم الرعاية الصحية الأساسية للأمهات والأطفال وذوي الأمراض المزمنة.
ومضى قائلاً: بعد مرور أكثر من عقد على النزاع، أسفرت الصعوبات الاقتصادية والنزوح وتفشي الأمراض عن تقويض قدرة الخدمات الصحية في اليمن على استيعاب ارتفاع جديد ومفاجئ في الاحتياجات. وأردف البيان أنه منذ بدء تصعيد النزاع، استأجرت اللجنة الدولية طائرات وشاحنات لإيصال 500 طن من المستلزمات الطبية المنقذة للأرواح إلى صنعاء وعدن، لتعويض نقص المخزونات التي أوشكت على النفاد، ودعم المستشفيات التي تعالج الحالات المتزايدة من جرحى الأسلحة.
الحوثيون يقطعون الإنترنت ويمنعون الغاز عن تعز
أعلنت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات اليمنية، الأربعاء، أن جماعة الحوثي أقدمت على قطع خدمات الإنترنت والاتصالات في محافظة تعز. وقالت الوزارة في بيان إن مليشيا الحوثي قامت بقطع خدمات الإنترنت والاتصالات في محافظة تعز، ضمن ممارساتها الممنهجة ضد المدنيين. وحذرت من مخاطر استغلال قطع هذه الخدمات للتغطية على الانتهاكات الحوثية التي يتعرض لها المواطنون، وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، وفي مقدمتها حقهم في التواصل والحصول على الخدمات الأساسية.
وتابع البيان أن المليشيا دأبت، وبصورة متزايدة، على استخدام شبكات الاتصالات وبنيتها التحتية الواقعة تحت سيطرتها في دعم عملياتها العسكرية الإرهابية، وتوظيفها في أنشطة مرتبطة بتشغيل الطائرات المسيّرة والمقذوفات، وتنفيذ عمليات التجسس والمراقبة وجمع المعلومات، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بالمواطنين، في انتهاك لخصوصيتهم وأمنهم. واتهمت الوزارة جماعة الحوثي باستخدام الشبكات المدنية لنشر الأخبار الزائفة وبث الشائعات والمعلومات المضللة التي تخدم أهدافها، وإرسالها إلى المواطنين في مختلف المناطق، فضلاً عن تعمد قطع الخدمات في مناطق الاشتباكات وتوظيفها لخدمة أغراضها العسكرية والأمنية.
ودعت الوزارة جميع المهندسين والفنيين والعاملين في قطاع الاتصالات في صنعاء إلى التمسك بمسؤولياتهم المهنية والوطنية، وعدم الاستجابة لأي توجيهات تهدف إلى تسخير الشبكات المدنية لخدمة العمليات العسكرية أو التجسس أو الإضرار بالمواطنين، والعمل على حماية المنشآت والمعدات وضمان استمرار الخدمات بعيداً عن الاستخدامات العسكرية والأمنية الإرهابية. ونبهت الوزارة إلى أن الحكومة تعمل على توفير بدائل آمنة ومستقلة للاتصالات والإنترنت في المناطق المحررة، لضمان عدم انقطاع الخدمة عن المواطنين. ولم يصدر تعليق فوري من الحوثيين بشأن هذا البيان. وتقع معظم خدمات الإنترنت والاتصالات في اليمن في العاصمة صنعاء، الخاضعة لسيطرة الحوثيين منذ عام 2014، حسب مراسل الأناضول.
ومساء الثلاثاء، اتهمت السلطات اليمنية الحكومية في تعز جماعة الحوثي بمنع وصول إمدادات الغاز إلى المدينة. وجاء ذلك في بيان صادر عن مكتب الشركة اليمنية للغاز في محافظة تعز (حكومية)، نشرته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ). وأدان البيان منع مليشيات الحوثي الإرهابية وصول إمدادات الغاز المنزلي إلى مدينة تعز. وحذر من تداعيات هذه الممارسات على الأوضاع المعيشية للمواطنين، في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة. ولفت البيان إلى أن الغاز المنزلي يُعد من الاحتياجات الأساسية للأسر، وأن منع وصوله يفاقم معاناة المواطنين ويمس حقوقهم وكرامتهم الإنسانية. وشدد على أن استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلةً للضغط على السكان أمر مرفوض. وطالب برفع القيود والعوائق التي تحول دون وصول إمدادات الغاز إلى المدينة بصورة منتظمة وآمنة. ودعا البيان المنظمات الحقوقية والإنسانية والجهات المعنية إلى التدخل العاجل والضغط لإنهاء الأزمة، وضمان استمرار تدفق الغاز وسائر الاحتياجات الأساسية دون عوائق. وأكد أن توفير المواد الأساسية للمواطنين مسؤولية إنسانية لا ينبغي استخدامها وسيلةً للضغط على السكان.
حصار خانق وتدهور الأوضاع المعيشية
قوبل الوضع في تعز باهتمام كبير من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين دعوا إلى سرعة تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان. وقال الكاتب والباحث اليمني ياسين التميمي، في حسابه على منصة فيسبوك، إن مدينة تعز تتعرض حالياً لحصار خانق، نتج عنه وضع إنساني ومعيشي بالغ الصعوبة. وأضاف أن على الحكومة أن تطلب من الوكالات الدولية التحرك الفوري لتأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء ورعاية صحية. وطالب التميمي الصليب الأحمر الدولي بأن يتحرك لفتح الطريق أمام السلع الأساسية الآتية من ميناء عدن (جنوب) التي يستوردها التجار، كما كان عليه الحال قبل الإطباق الكامل على مدينة تعز من قبل الحوثيين.
بدوره، قال الناشط الحقوقي رياض الدبعي، إنه وسط الحصار المستمر الذي يفرضه الحوثيون على مدينة تعز من كل الجهات، تستمر الأحياء السكنية في التعرض للقصف، ما يفاقم معاناة المدنيين ويعرض الأرواح للخطر، بينما تحاول الجماعة اقتحام المدينة. وأضاف الدبعي، في حسابه على منصة إكس، أن المدنيين في تعز يظلون محاصرين بين حصار لا يتوقف وقصف مستمر لأحيائهم ومنازلهم، ويواجهون تهديدات متزايدة لحياتهم وممتلكاتهم.
وتستمر، الأربعاء، لليوم العاشر، عملية فجر اليمن العسكرية، التي قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة من جماعة الحوثي والسيطرة على العاصمة صنعاء. ويأتي ذلك في إطار تصعيد عسكري بدأ في يوليو الماضي، وهو الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي شهده اليمن بفضل هدنة بدأت في أبريل 2022. ويشهد اليمن حرباً منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء ومحافظات عدة في سبتمبر 2014، قبل تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية في مارس 2015 دعماً للحكومة اليمنية.





